فصل: تفسير الآية رقم (211)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التحرير والتنوير المسمى بـ «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»***


تفسير الآية رقم ‏[‏210‏]‏

‏{‏هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ‏(‏210‏)‏‏}‏

إن كان الإضمار جارياً على مقتضى الظاهر فضمير ‏{‏ينظرون‏}‏ راجع إلى معادٍ مذكور قبلَه، وهو إما ‏{‏مَنْ يعجبك قولُه في الحياة الدنيا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 204‏]‏، وإما إلى ‏{‏مَنْ يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 207‏]‏، أو إلى كليهما لأن الفريقين ينتظرون يوم الجزاء، فأحد الفريقين ينتظره شكاً في الوعيد بالعذاب، والفريق الآخر ينتظره انتظار الراجي للثواب‏.‏ ونظيره قوله‏:‏ ‏{‏فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 102‏]‏ فانتظارهم أيام الذين خَلَوْا انتظارُ توقع سوءٍ انتظار النبي معهم انتظار تصَديققِ وعيده‏.‏

وإن كان الإضمار جارياً على خلاف مقتضى الظاهر فهو راجع إلى المخاطَبين بقوله ‏{‏ادخلوا في السِّلم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 208‏]‏ وما بعده، أو إلى الذين زَلوا المستفاد من قوله‏:‏ ‏{‏فإن زللتم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 209‏]‏، وهو حينئذٍ التفات من الخطاب إلى الغيبة، إما لمجرد تجديد نشاط السامع إن كان راجعاً إلى المخاطبين بقوله ‏{‏يا أيها الذين آمنوا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 208‏]‏، وإما لزيادة نكتة إبعاد المخاطبين بقوله ‏{‏فإن زللتم‏}‏ عن عز الحضور، قال القرطبي ‏{‏هل ينتظرون‏}‏ يعني التاركين الدخول في السلم، وقال الفخر الضمير لليهود بناء على أنهم المراد من قوله‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم‏}‏ أي يا أيها الذين آمنوا بالله وبعض رسله وكتبه على أحد الوجوه المتقدمة وعلى أن السلم أريد به الإسلام، ونكتة الالتفات على هذا القول هي هي‏.‏

فإن كان الضمير لمن يعجبك أوْ له ولمن يشري نفسه، فالجملة استئناف بياني، لأن هاتين الحالتين العجيبتين في الخير والشر تثيران سؤال من يسأل عن جزاء كلا الفريقين فيكون قوله‏:‏ ‏{‏هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله‏}‏ جواباً لذلك، وإن كان الضمير راجعاً إلى ‏{‏الذين آمنوا‏}‏ فجملة ‏{‏هل ينظرون‏}‏ استئناف للتحريض على الدخول في الإسلام خشية يوم الجزاء أو طمعاً في ثوابه وإن كان الضمير للذين زلوا من قوله‏:‏ ‏{‏فإن زللتم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 209‏]‏ فالجملة بدل اشتمال من مضمون جملة ‏{‏إن الله عزيز حكيم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 209‏]‏ لأن معناه فإن زللتم فالله لا يفلتكم لأنه عزيز حكيم، وعدم الإفلات يشتمل على إتيان أمر الله والملائكة، وإن كان الضمير عائداً إلى اليهود فهو توبيخ لهم على مكابرتهم عن الاعتراف بحقية الإسلام‏.‏ وعلى كل الاحتمالات التي لا تتنافى فقد جاء نظم قوله ‏{‏هل ينظرون‏}‏ بضمير الجمع نظماً جامعاً للمحامل كلها مما هو أثر من آثار إعجاز هذا الكلام المجيد الدال على علم الله تعالى بكل شيء‏.‏

وحرف ‏(‏هل‏)‏ مفيد الاستفهام ومفيد التحقيق ويظهر أنه موضوع للاستفهام عن أمر يراد تحقيقه، فلذلك قال أئمة المعاني إن هل لطلب تحصيل نسبة حكمية تحصل في علم المستفهم وقال الزمخشري في «الكشاف»‏:‏ إن أصل هل أنها مرادفة قد في الاستفهام خاصة، يعني قد التي للتحقيق وإنما اكتسبت إفادة الاستفهام من تقدير همزة الاستفهام معها كما دل عليه ظهور الهمزة في قول زيد الخيل‏:‏

سائِلْ فوارسَ بَرْبُوع بِشِدَّتنا *** أَهَلْ رَأَوْنَا بسَفَححِ القاع ذي الأَكَم

وقال في «المفصل»‏:‏ وعن سيبويه أن هل بمعنى قد إلاّ أنهم تركوا الألف قبلها؛ لأنها لا تقع إلاّ في الاستفهام اه‏.‏ يعني أن همزة الاستفهام التزم حذفها للاستغناء عنها بملازمة هل للوقوع في الاستفهام، إذ لم يقل أحد أن هل ترد بمعنى قد مجردة عن الاستفهام فإن مواردها في كلام العرب وبالقرآن يبطل ذلك ونسب ذلك إلى الكسائي والفراء والمبرد في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هل أتى على الإنسان حين من الدهر‏}‏ ‏[‏الإنسان‏:‏ 1‏]‏ ولعلهم أرادوا تفسير المعنى لا تفسير الإعراب ولا نعرف في كلام العرب اقتران هل بحرف الاستفهام إلاّ في هذا البيت ولا ينهض احتجاجهم به لإمكان تخريجه على أنه جمع بين حرفي استفهام على وجه التأكيد كما يؤكد الحرف في بعض الكلام كقول مسلم بن معبد الوالبيِّ‏:‏

فلاَ والله لاَ يُلْقَى لما بي *** ولا لِلِمَا بهم أبداً دَواء

فجمع بين لامي جر، وأيّاً ما كان فإن هل تمحضت لإفادة الاستفهام في جميع مواقعها، وسيأتي هذا في تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هل أتى على الإنسان حين من الدهر‏}‏ في سورة الإنسان‏.‏

والاستفهام إنكاري لا محالة بدليل الاستثناء، فالكلام خبر في صورة الاستفهام‏.‏ والنظر‏:‏ الانتظار والترقب يقال نظره بمعنى ترقبه، لأن الذي يترقب أحداً يوجه نظره إلى صوبه ليرى شبحه عندما يبدو، وليس المراد هنا نفي النظر البصري أي لا ينظرون بأبصارهم في الآخرة إلاّ إتيان أمر الله والملائكة، لأن الواقع أن الأبصار تنظر غير ذلك، إلاّ أن يراد أن رؤيتهم غير ذلك كالعدم لشدة هول إتيان أمر الله، فيكون قصراً ادعائياً، أو تسلب أبصارهم من النظر لغير ذلك‏.‏

وهذا المركب ليس مستعملاً فيما وضع له من الإنكار بل مستعملاً إما في التهديد والوعيد وهو الظاهر الجاري على غالب الوجوه المتقدمة في الضمير، وإما في الوعد إن كان الضمير لمن يشري نفسه، وإما في القدر المشترك وهو العدة بظهور الجزاء إن كان الضمير راجعاً للفريقين، وإما في التهكم إن كان المقصود من الضمير المنافقين اليهود أو المشركين، فأما اليهود فإنهم كانوا يقولون لموسى ‏{‏لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 55‏]‏‏.‏ ويجوز على هذا أن يكون خبراً عن اليهود‏:‏ أي إنهم لا يؤمنون ويدخلون في السلم حتى يروا الله تعالى في ظلل من الغمام على نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 145‏]‏‏.‏

وأما المشركون فإنهم قد حكى الله عنهم‏:‏ ‏{‏وقالوا نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً إلى قوله أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 90، 92‏]‏، وسيجيء القول مشبعاً في موقع هذا التركيب ومعناه عند الكلام على قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام في سورة البقرة‏.‏

و ‏(‏الظلل‏)‏ بضم ففتح اسمُ جمَع ظلة، والظلة تطلق على معان والذي تلخص لي من حقيقتها في اللغة أنها اسم لشبه صفَّة مرتفعة في الهواء تتصل بجدار أو ترتكز على أعمدة يُجْلَس تحتها لتوقي شعاع الشمس، فهي مشتقة من اسم الظّل جعلت على وزن فُعْلَة بمعنى مفعولة أو مفعول بها مثل القبضة بضم القاف لما يقبض باليد‏.‏

والغرفة بضم الغين لما يغترف باليد كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلا من اغترف غرفة بيده‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 249‏]‏ في قراءة بعض العشرة بضم الغين‏.‏

وهي هنا مستعارة أو مشبه بها تشبيهاً بليغاً‏:‏ السحابات العظيمة التي تشبه كل سحابة منها ظلة القصر‏.‏

و ‏{‏من الغمام‏}‏ بيان للمشبه وهو قرينة الاستعارة ونظيره قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 16‏]‏‏.‏

والإتيان حضور الذات في موضع من موضع آخر سبق حصولها فيه وأسند الإتيان إلى الله تعالى في هذه الآية على وجه الإثبات فاقتضى ظاهره اتصاف الله تعالى به، ولما كان الإتيان يستلزم التنقل أو التمدد ليكون حالاً في مكان بعد أن لم يكن به حتى يصح الإتيان وكان ذلك يستلزم التنقل الجسم والله منزه عنه، تعين صرف اللفظ عن ظاهره بالدليل العقلي، فإن كان الكلام خبراً أو تهكماً فلا حاجة للتأويل، لأن اعتقادهم ذلك مدفوع بالأدلة وإن كان الكلام وعيداً من الله لزم التأويل، لأن الله تعالى موجود في نفس الأمر لكنه لا يتصف بما هو من صفات الحوادث كالتنقل والتمدد لما علمت، فلا بد من تأويل هذا عندنا على أصل الأشعري في تأويل المتشابه، وهذا التأويل إما في معنى الإتيان أو في إسناده إلى الله أو بتقدير محذوف من مضاف أو مفعول، وإلى هذه الاحتمالات ترجع الوجوه التي ذكرها المفسرون‏:‏

الوجه الأول ذهب سلف الأمة قبل حدوث تشكيكات الملاحدة إلى إقرار الصفات المتشابهة دون تأويل فالإتيان ثابت لله تعالى، لكن بلا كيف فهو من المتشابه كالاستواء والنزول والرؤية أي هو إتيان لا كإتيان الحوادث‏.‏ فأما على طريقة الخلف من أئمة الأشعرية لدفع مطاعن الملاحدة فتجيء وجوهٌ منها‏:‏

الوجه الثاني‏:‏ أقول يجوز تأويل إتيان الله بأنه مجاز في التجلي والاعتناء إذا كان الضمير راجعاً لمن يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، أو بأنه مجاز في تعلق القدرة التنجيزي بإظهار الجزاء إن كان الضمير راجعاً للفريقين، أو هو مجاز في الاستئصال يقال أتاهم الملك إذا عاقبهم قاله القرطبي، قلت وذلك في كل إتيان مضاف إلى منتقم أو عدو أو فاتح كما تقول‏:‏ أتاهم السبع بمعنى أهلكهم وأتاهم الوباء ولذلك يقولون أتى عليه بمعنى أهلكه واستأصلَه، فلما شاع ذلك شاع إطلاق الإتيان على لازمه وهو الإهلاك والاستئصال قال تعالى‏:‏

‏{‏فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 2‏]‏ وقال ‏{‏فأتى الله بنيانهم من القواعد‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 26‏]‏ وليس قوله‏:‏ ‏{‏في ظلل من الغمام‏}‏ بمناف لهذا المعنى، لأن ظهور أمر الله وحدوث تعلق قدرته يكون محفوفاً بذلك لتشعر به الملائكة وسيأتي بيان ‏{‏في ظلل من الغمام‏}‏ قريباً‏.‏

الوجه الثالث‏:‏ إسناد الإتيان إلى الله تعالى إسناد مجازي وإنما يأتيهم عذاب الله يوم القيامة أو في الدنيا وكونه ‏{‏في ظلل من الغمام‏}‏ زيادة تنويه بذلك المظهر ووقعه لدى الناظرين‏.‏

الوجه الرابع‏:‏ يأتيهم كلام الله الدالُّ على الأمر ويكون ذلك الكلام مسموعاً من قِبَل ظلل من الغمام تحفه الملائكة‏.‏

الوجه الخامس‏:‏ أن هنالك مضافاً مقدراً أي يأتيهم أمر الله أي قضاؤه بين الخلق أو يأتيهم بأس الله بدليل نظائره في القرآننِ أو يأتي أمر ربك وقوله‏:‏ ‏{‏فجاءها بأسنا بياتاً‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 4‏]‏ ولا يخفى أن الإتيان في هذا يتعين أن يكون مجازاً في ظهور الأمر‏.‏

الوجه السادس‏:‏ حذف مضاف تقديره، آيات الله أو بيناته أي دلائل قدرته أو دلائل صدق رُسُله ويبعِّده قوله‏:‏ ‏{‏في ظلل من الغمام‏}‏ إلاّ أن يرجع إلى الوجه الخامس أو إلى الوجه الثالث‏.‏

الوجه السابع‏:‏ أن هنالك معمولاً محذوفاً دل عليه قوله‏:‏ ‏{‏فاعلموا أن الله عزيز حكيم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 209‏]‏ والتقدير أن يأتيهم الله بالعذاب أو ببأسه‏.‏ والأحسن تقدير أمر عام يشمل الخير والشر لتكون الجملة وعْداً ووعيداً‏.‏

وقد ذكرتُ في تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأُخر متشابهات‏}‏ في ‏[‏سورة آل عمران‏:‏ 6‏]‏ ما يتحصل منه أن ما يجري على اسمه تعالى من الصفات والأحكام وما يسند إليه من الأفعال في الكتاب والسنة أربعة أقسام‏:‏ قسم اتصف الله به على الحقيقة كالوجود والحياة لكن بما يخالف المتعارف فينا، وقسم اتصف الله بلازم مدلوله وشاع ذلك حتى صار المتبادر من المعنى المناسبُ دون الملزومات مثل الرحمة والغضب والرضا والمحبة، وقسم هو متشابه وتأويله ظاهر، وقسم متشابه شديد التشابه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ في ظلل من الغمام‏}‏ أشد إشكالاً من إسناد الإتيان إلى الله تعالى لاقتضائه الظرفية، وهي مستحيلة على الله تعالى، وتأويله إما بأن ‏(‏في‏)‏ بمعنى الباء أي ‏{‏يأتيهم بظلل من الغمام‏}‏ وهي ظلل تحمل العذاب من الصواعق أو الريح العاصفة أو نحو ذلك إن كان العذاب دنيوياً، أو في ظلل من الغمام تشتمل على ما يدل على أمر الله تعالى أو عذابه ‏{‏وإن يروا كسفاً من السماء ساقطاً يقولوا سحاب مركرم‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 44‏]‏ وكان رسول الله إذا رأى السحاب رئي في وجهه الخوف من أن يكون فيه عذاب، أو على كلامه تعالى، أو الحاجبة لأنوار يجعلها الله علامة للناس يوم القيامة على ابتداء فصل الحساب يدرك دلالتها أهل الموقف وبالانكشاف الوجداني، وفي «تفسير القرطبي والفخر» قيل‏:‏ إن في الآية تقديماً وتأخيراً، وأصل الكلام أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام، فالغمام ظرف لإتيان الملائكة، وروي أن ابن مسعود قرأها كذلك، وهذه الوجوه كلها مبنية على أن هذا إخبار بأمر مستقبل، فأما على جعل ضمير ‏{‏ينظرون‏}‏ مقصوداً به المنافقون من المشركين أو اليهود بأن يكون الكلام تهكماً أي ماذا ينتظرون في التباطؤ عن الدخول في الإسلام، ما ينتظرون إلاّ أن يأتيهم الله في أحوال اعتقدوها فيكلمهم ليدخلوا في الدين، فإنهم قالوا لموسى‏:‏

‏{‏لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 55‏]‏ واعتقدوا أن الله في الغمام، أو يكون المراد تعريضاً بالمشركين، وبعض التأويلات تقدمت مع تأويل الإتيان‏.‏

وقرأه الجمهور «والملائكة» بالرفع عطفاً على اسم الجلالة، وإسنادُ الإتيان إلى الملائكة لأنهم الذين يأتون بأمر الله أو عذابه وهم الموكل إليهم تنفيذ قضائه، فإسناد الإتيان إليهم حقيقة فإن كان الإتيان المسند إلى الله تعالى مستعملاً في معنى مجازي فهو مستعمل بالنسبة للملائكة في معناه الحقيقي فهو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، وإن كان إسناد الإتيان إلى الله تعالى مجازاً في الإسناد فإسناده إلى الملائكة بطريق العطف حقيقة في الإسناد ولا مانع من ذلك؛ لأن المجاز الإسنادي عبارة عن قصد المتكلم مع القرينة، قال حُمَيْد بن ثَوْر يمدح عبد الملك‏:‏

أتاك بي الله الذي نَوَّر الهدى *** ونورٌ وإسلامٌ عليكَ دليل

فأسند الإتيان به إلى الله وهو إسنادٌ حقيقي ثم أسنده بالعطف للنورِ والإسلام، وإسناد الإتيان به إليهما مجازي لأنهما سبب الإتيان به ألا ترى أنه قال «عليك دليل»‏.‏

وقرأ أبو جعفر «والملائكة» بجر ‏(‏الملائكة‏)‏ عطف على ‏(‏ظلل‏)‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وقُضي الأمر‏}‏ إما عطف على جملة ‏{‏هل ينظرون‏}‏ إن كانت خبراً عن المخبر عنهم والفعل الماضي هنا مراد منه المستقبل، ولكنه أتى فيه بالماضي تنبيهاً على تحقيق وقوعه أو قرب وقوعه، والمعنى ما ينتظرون إلاّ أن يأتيهم الله وسوف يقضى الأمر، وإما عطف على جملة ‏{‏ينظرون‏}‏ إن كانت جملة ‏{‏هل ينظرون‏}‏ وعيداً أو وعداً والفعل كذلك للاستقبال، والمعنى ما يترقبون إلاّ مجيء أمر الله وقضاءَ الأمر‏.‏

وإما جملة حالية والماضي على أصله وحذفت قد، سواء كانت جملة ‏{‏هل ينظرون‏}‏ خبراً أو وعداً ووعيداً أي وحينئذٍ قد قضي الأمر، وإما تنبيه على أنهم إذا كانوا ينتظرون لتصديق محمد أن يأتيهم الله والملائكة فإن ذلك إن وقع يكون قد قضي الأمر أي حق عليهم الهلاك كقوله‏:‏ ‏{‏وقالوا لولا أنزل عليه ملَك ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 8‏]‏‏.‏

والقضاء‏:‏ الفراغ والإتمام‏.‏

والتعريف في ‏(‏الأمر‏)‏ إما للجنس مراداً منه الاستغراق أي قُضِيت الأمور كلها، وإما للعهد أي أمر هؤلاء أي عقابهم أو الأمر المعهود للناس كلهم وهو الجزاء‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وإلى الله ترجع الأمور‏}‏ تذييل جامع لمعنى‏:‏ ‏{‏وقضى الأمر‏}‏ والرجوع في الأصل‏:‏ المآب إلى الموضع الذي خرج منه الراجع، ويستعمل مجازاً في نهاية الشيء وغايته وظهور أثره، فمنه ‏{‏ألا إلى الله تصير الأمور‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 53‏]‏‏.‏

ويجيء فعل رجع متعدياً، تقول رجعت زيداً إلى بلده ومصدره الرَّجْع، ويستعمل رجع قاصراً تقول‏:‏ رجع زيد إلى بلده ومصدره الرجُوع‏.‏

وقرأ نافع وابن كثير وأبو عَمرو وعاصم وأبو جعفر ويعقوب ‏(‏تُرجع‏)‏ بضم التاء وفتح الجيم على أنه مضارع أرجعه أو مضارع رجَعَه مبنياً للمفعول أي يَرْجع الأمورَ راجعُها إلى الله، وحذفُ الفاعل على هذا العدم تعين فاعل عُرفي لهذا الرجع، أو حُذف لدفع ما يبدو من التنافي بين كون اسم الجلالة فاعلاً للرجوع ومفعولاً له بحرف إلى، وقرأه باقي العشرة بالبناء للفاعل من رجع الذي مصدره الرجوع فالأمورُ فاعل تَرْجع‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏211‏]‏

‏{‏سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏211‏)‏‏}‏

تتنزل هاته الآية من التي قبلها منزلةَ البرهان على معنى الجملة السابقة، فإن قوله‏:‏ ‏{‏هل ينظرون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 210‏]‏ سواء كان خبراً أو وعيداً أو وعداً أم تهكماً، وأيّاً ما كان معاد الضمير فيه على الأوجه السابقة قد دل بكل احتمال على تعريض بِفرَققٍ ذَوي غُرور وتماد في الكفر وقلةِ انتفاع بالآيات البينات، فناسب أن يعقب ذلك بإلفاتهم إلى ما بلَغهم من قلة انتفاع بني إسرائيل بما أُوتوه من آيات الاهتداء مع قلة غَناء الآيات لديهم على كثرتها، فإنهم عاندوا رسولهم ثم آمنوا به إيماناً ضعيفاً ثم بدلوا الدين بعد ذلك تبديلاً‏.‏

وعلى احتمال أن يكون الضمير في ‏{‏ينظرون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 210‏]‏ لأهل الكتاب‏:‏ أي بني إسرائيل فالعدول عن الإضمار هنا إلى الإظهار بقوله‏:‏ ‏{‏بني إسرائيل‏}‏ لزيادة النداء على فضيحة حالهم ويكون الاستدلال عليهم حينئذٍ أشد، أي هم قد رأوا آيات كثيرة فكان المناسب لهم أن يبادوا بالإيمان بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم أعلم الناس بأحوال الرسل، وعلى كل فهذه الآية وما بعدها معترضات بين أغراض التشريع المتتابعة في هذه السورة‏.‏

و ‏{‏سَلْ‏}‏ أمر من سأل يسأل أصله اسأل فحذفت الهمزة تخفيفاً بعد نقل حركتها إلى الساكن قبلها إلحاقاً لها بنقل حركة حرف العلة لشبه الهمزة بحرف العلة فلما تحرك أول المضارع استغنى عن اجْتلاب همزة الوصل، وقيل‏:‏ سل أمر من سَألَ الذي جعلت همزته ألفاً مثل الأمر من خَاف يَخاف خَف، والعرب يكثرون من هذا التخفيف في سأل ماضياً وأمراً؛ إلاّ أن الأمر إذا وقع بعد الواو والفاء تركوا هذا التخفيف غالباً‏.‏

والمأمور بالسؤال هو الرسول؛ لأنه الذي يترقب أن يجيبه بنو إسرائيل عن سؤاله؛ إذ لا يعبأون بسؤال غيره؛ لأن المراد بالسؤال سؤال التقرير للتقريع، ولفظ السؤال يجيء لما تجيء له أدوات الاستفهام‏.‏ والمقصود من التقرير إظهار إقرارهم لمخالفتهم لمقتضى الآيات فيجيء من هذا التقرير التقريعُ فليس المقصود تصريحهم بالإقرار؛ بل مجرد كونهم لا يسعهم الإنكار‏.‏

والمراد ب ‏(‏بني إسرائيل‏)‏ الحاضرون من اليهود‏.‏ والضمير في ‏{‏آتيناهم‏}‏ لهم، والمقصود إيتاء سلفهم؛ لأن الخصال الثابتة لأسلاف القبائل والأمم، يصح إثباتها للخلف لترتب الآثار للجميع كما هو شائع في مصطلح الأمم الماضية من العرب وغيرهم‏.‏ ويجوز أن يكون معنى إيتائهم الآيات أنهم لما تناقلوا آياتتِ رسلهم في كتبهم وأيقنوا بها فكأنهم أوتوها مباشرة‏.‏

و ‏(‏كم‏)‏ اسم للعدد المبهم فيكون للاستفهام ويكون للإخبار، وإذا كانت للإخبار دلت على عدد كثير مبهم؛ ولذلك تحتاج إلى مميز في الاستفهام وفي الإخبار، وهي هنا استفهامية كما يدل عليه وقوعها في حيز السؤال، فالمسؤول عنه هو عدد الآيات‏.‏

وحق سأل أن يتعدى إلى مفعولين من باب كَسَا أي ليس أصلُ مفعوليه مبتدأً وخبراً، وجملة ‏{‏كم آتيناهم‏}‏ لا تكون مفعوله الثاني؛ إذ ليس الاستفهام مطلوباً بل هو عين الطلب، ففعل ‏{‏سَلْ‏}‏ معلَّق عن المفعول الثاني لأجل الاستفهام، وجملة ‏{‏كم آتيناهم‏}‏ في موقع المفعول الثاني سادة مسده‏.‏

والتعليق يكثر في الكلام في أفعال العلم والظن إذا جاء بعد الأفعال استفهام أو نفي أو لام ابتداء أو لام قسم، وألحق بأفعال العلم والظن ما قارب معناها من الأفعال، قال في «التسهيل» «ويشاركهن فيه ‏(‏أي في التعليق‏)‏ مع الاستفهام، نَظَر وتَفَكَّر وأَبصر وسأل»، وذلك كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يسألون أيان يوم الدين‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 12‏]‏ ولما أخذ سأل هنا مفعوله الأول فقد علق عن المفعول الثاني، فإن سبب التعليق هو أن مضمون الكلام الواقع بعد الحرف الموجب للتعليق ليس حالة من حالات المفعول الأول فلا يصلح لأن يكون مفعولاً ثانياً للفعل الطالب مفعولين، قال سيبويه «لأنه كلام قد عمل بعضه في بعض فلا يكون إلاّ مبتدأ لا يعمل فيه شيء قبله» اه وذلك سبب لفظي مانع من تسلط العامل على معموله لفظاً، وإن كان لم يزل عاملاً فيه معنى وتقديراً، فكانت الجملة باقية في محل المعمول، وأداة الاستفهام من بين بقية موجبات التعليق أقوى في إبعادها معنى ما بعدها عن العامل الذي يطلبه، لأن الكلام معها استفهام ليس من الخبر في شيء، إلاّ أن ما تحدثه أداة الاستفهام من معنى الاستعلام هو معنى طارئ في الكلام غير مقصود بالذات بل هو قد ضعف بوقوعه بعد عامل خبري فصار الاستفهام صورياً، فلذلك لم يبطل عمل العامل إلاّ لفظاً، فقولك‏:‏ علمتُ هل قام زيد قد دل عَلِمَ على أن ما بعده محقق فصار الاستفهام صورياً وصار التعليق دليلاً على ذلك، ولو كان الاستفهام باقياً على أصله لما صح كون جملته معمولة للعامل المعلّق‏.‏

قال الرضي‏:‏ «إن أداة الاستفهام بعد العلم ليست مفيدة لاستفهام المتكلم بها للزوم التناقض بين علمتُ وأزيد قائم بل هي لمجرد الاستفهام والمعنى علمت الذي يستفهم الناس عنه» اه، فيجيء من كلامه أن قولك علمت أزيد قائم يقوله‏:‏ من عَلم شيئاً يجهله الناس أو يعتنون بعلمه، بخلاف قولك علمتُ زيداً قائماً، وقد يكون الاستفهام الوارد بعد السؤال حكاية للفظ السؤال فتكون جملة الاستفهام بياناً لجملة السؤال قال صدر الأفاضل في قول الحريري «سألناه أنَّى اهتديتَ إلينا» أي سألناه هذا السؤال اه‏.‏ وهو يتأتى في هذه الآية‏.‏

ويجوز أن يضمن سل معنى القول، أي فيكون مفعوله الثاني كلاماً فقد أعطي سل مفعولين‏:‏ أحدهما مناسب لمعنى لفظه والآخر مناسب لمعنى المضمَّن‏.‏

وجَوّز التفتازاني في «شرح الكشاف» أن جملة ‏{‏كم آتيناهم‏}‏ بيان للمقصود من السؤال، أي سلهم جواب هذا السؤال، قال السلكوتي في «حاشية المطول»‏:‏ فتكون الجملة واقعة موقع المفعول، أي ولا تعليق في الفعل‏.‏

وجوز صاحب «الكشاف» أن تكون ‏(‏كم‏)‏ خبرية، أي فتكون ابتداء كلام وقد قطع فعل السؤال عن متعلِّقه اختصاراً لما دل عليه ما بعده، أي سلهم عن حالهم في شكر نعمة الله، فبذلك حصل التقريع‏.‏ ويكون ‏{‏كم آتيناهم‏}‏ تدرجاً في التقريع بقرينة ‏{‏ومن يبدل نعمة الله‏}‏، ولبعد كونها خبرية أنكره أبو حيان على صاحب «الكشاف» وقال إنه يفضي إلى اقتطاع الجملة التي فيها ‏{‏كم‏}‏ عن جملة السؤال مع أن المقصود السؤال عن النعم‏.‏

و ‏{‏من ءاية بينة‏}‏ تمييز ‏(‏كم‏)‏ دخلت عليه مِنْ التي ينتصب تمييز كم الاستفهاميّة على معناها والتي يجر تمييز كم الخبرية بتقديرها ظهرت في بعض المواضع تصريحاً بالمقدَّر، لأن كل حرف ينصب مضمراً يجوز ظهوره إلاّ في مواضع مثل إضمار أنْ بعد حتى، قال الرضي‏:‏ إذا فصل بين كم الخبرية والاستفهامية وبين مميزهما بفعل متعد وجب جر التمييز بمن ‏(‏أي ظاهرة‏)‏ لئلا يلتبس التمييز بالمفعول نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كم تركوا من جنات وعيون‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 25‏]‏ و‏{‏وكم أهلكنا من قرية‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 58‏]‏ اه أي لئلا يلتبس بمفعول ذلك الفعل الفاصل، أو هو للتنبيه من أول الأمر على أنه تمييز لا مفعولٌ إغاثةً لفهم السامع وذلك من بلاغة العرب، وعندي أن موجب ظهور من في حالة الفصل هو بُعد المميِّز عن المميَّز لا غير، وقيل‏:‏ ظهور ‏(‏مِنْ‏)‏ واجب مع الفصل بالفعل المتعدي، وجائز مع الفصل بغيره، كما تقل عبد الحكيم عن اليَمني والتفتازانيِّ في «شرحي الكشاف»‏.‏

وفي «الكافية» أن ظهور ‏(‏من‏)‏ في مميز ‏(‏كم‏)‏ الخبرية والاستفهامية جائز هكذا أطلقه ابن الحاجب، لكن الرضي قال إنه لم يعثر على شاهد عليه في ‏(‏كم‏)‏ الاستفهامية إلاّ مع الفصل بالفعل وأما في كم الخبرية فظهور ‏(‏من‏)‏ موجود بكثرة بدون الفصل، والظاهر أن ابن الحاجب لم يعبأ بخصوص الأمثلة التي ذكرها الرضي، وإنما اعتد بظهور ‏(‏من‏)‏ في المميز وهو الظاهر‏.‏

و ‏(‏الآية‏)‏ هنا المعجزة ودليل صدق الرسل، أو الكلمات الدالة على مجيء محمد صلى الله عليه وسلم فإنها آية لموسى؛ إذ أخبر بها قبل قرون، وآيةٌ لمحمد عليه الصلاة والسلام، إذ كان التبشير به قبل وجوده بقرون، ووصفها بالبينة على الاحتمالين مبالغة في الصفة من فعل بَانَ أي ظهر، فيكون الظهور ظهور العيان على الوجه الأول، وظهور الدلالة على الوجه الثاني، وفي هذا السؤال وصيغته حذف دل عليه قوله‏:‏ ‏{‏ومَن يبدِّل نعمة الله‏}‏ تقديره فبدَّلوها ولم يعملوا بها‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ومن يبدل نعمة الله‏}‏ تذييل لجملة ‏{‏سل بني إسرائيل كم آتيناهم‏}‏ الخ، أفاد أأن المقصود أولاً من هذا الوعيدِ هم بنو إسرائيل المتحدث عنهم بقوله‏:‏ ‏{‏سل بني إسرائيل‏}‏، وأفاد أن بني إسرائيل قد بدَّلوا نعمة الله تعالى فدل ذلك على أن الآيات التي أوتيها بنو إسرائيل هي نعم عليهم وإلاَّ لما كان لتذييل خبرهم بحكم من يبدِّل نعم الله مناسبة وهذا مما يقصده البلغاء، فيغني مثلُه في الكلام عن ذكر جمل كثيرة إيجازاً بديعاً من إيجاز الحذف وإيجاز القصر معاً؛ لأنه يفيد مفاد أن يقال كم آتيناهم من آية بينة هي نعمة عليهم فلم يقدروها حق قدرها، فبدلوا نعمة الله بضدها بعد ظهورها فاستحقوا العقاب، لأن من يبدِّل نعمة الله فالله معاقبه، ولأنه يفيد بهذا العموم حكماً جامعاً يشمل المقصودين وغيرَهم ممن يشبههم ولذلك يكون ذكر مثل هذا الكلام الجامع بعد حكم جزئي تقدمه في الأصل تعريضاً يشبه التصريح، ونظيره أن يحدثك أحد بحديث فتقول فعل الله بالكاذبين كذا وكذا تريد أنه قد كذب فيما حدثك وإلاّ لما كان لذلك الدعاء عند سماع ذلك الحديث موقع‏.‏

وإنما أثبت للآيات أنها نعم لأنها إن كانت دلائل صدق الرسول فكونها نعماً لأن دلائل الصدق هي التي تهدي الناس إلى قبول دعوة الرسول عن بصيرة لمن لم يكن اتبعه، وتزيد اللذين اتبعوه رسوخ إيمان قال تعالى‏:‏ ‏{‏فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 124‏]‏ وبذلك التصديق يحصل تلقى الشرع الذي فيه صلاح الدنيا والآخرة وتلك نعمة عاجلة وآجلة، وإن كانت الآيات الكلامَ الدال على البشارة بالرسول فهي نعمة عليهم، لأنها قصد بها تنوير سبيل الهداية لهم عند بعثة الرسول لئلا يترددوا في صدقه بعد انطباق العلامات التي ائتمنوا على حفظها‏.‏

والتبديل على الوجه الأول تبديل الوصف بأن أعرضوا عن تلك الآيات فتبدل المقصود منها، إذ صارت بالإعراض سببَ شقاوتهم في الدنيا والآخرة، لأنها لو لم تؤت لهم لكان خيراً لهم في الدنيا؛ إذ يكونون على سذاجة هم بها أقرب إلى فعل الخير منهم بعد قصد المكابرة والإعراض؛ لأنهما يزيدانهم تعمداً لارتكاب الشرور، وفي الآخرة أيضاً لأن العقاب على الكفر يتوقف على الدعوة وظهورِ المعجزة، وقد أشبههم في هذا التبديل المشركون بإعراضهم عن القرآن والتدبر في هديه أو التبديل بأن استعملوا تلك الآيات في غير المراد منها بأن جعلوها أسباب غرور فإن الله ما آتى رسولهم تلك الآيات إلاّ لتفضيل أمته فتوكأوا على ذلك وتهاونوا على الدين فقالوا ‏{‏نحن أبناء الله وأحباؤه‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 18‏]‏ ‏{‏وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 80‏]‏‏.‏

والتبديل جعل شيء بدلاً عن آخر، أي تعويضه به فيكون تعويض ذات بذات وتعويض وصف بوصف كقول أبي الشيص‏:‏

بُدِّلتُ من بُرْدِ الشباب مُلاءةً *** خَلَقَاً وبئسَ مثُوبَةُ المُقْتَاضِ

فإنه أراد تبدل حالة الشباب بحالة الشيب، وكقول النابغة‏:‏

عَهِدْتُ بها حَيّاً كِراماً فبُدِّلَتْ *** حَنَاظِيلَ آجَاللِ النِّعَاج الجَوافل

وليس قوله‏:‏ ‏{‏نعمة الله‏}‏ من قبيل وضع الظاهر موضع الضمير بأن يكون الأصل ومن يبدلها أي الآيات فإن الله شديد العقاب لظهور أن في لفظ ‏(‏نعمة الله‏)‏ معنى جامعاً للآيات وغيرها من النعم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏من بعد ما جاءته‏}‏ المجيء فيه كناية عن الوضوح والمشاهدة والتمكن، لأنها من لوازم المجيء عرفاً‏.‏

وإنما جعل العقاب مترتباً على التبديل الواقع بعد هذا التمكن للدلالة على أنه تبديل عن بصيرة لا عن جهل أو غلط كقوله تعالى فيما تقدم‏:‏ ‏{‏ثم يحرقونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 75‏]‏‏.‏ وحذف ما بدل به النعمة ليشمل جميع أحوال التبديل من كتم بعضها والإعراض عن بعض وسوء التأويل‏.‏ والعقاب ناشئ عن تبديل تلك النعم في أوصافها أو في ذواتها، ولا يكون تبديلها إلاّ لقصد مخالفتها، وإلاّ لكان غير تبديل بل تأييداً وتأويلاً، بخلاف قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفراً‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 28‏]‏ لأن تلك الآية لم يتقدم فيها ما يؤذن بأن النعمة ما هي ولا تؤذن بالمستبدل به هنالك فتعين التصريح بالمستبدل به، والمبدلون في تلك الآية غير المراد من المبدلين في هذه، لأن تلك في كفار قريش بدليل قوله بعدها‏:‏ ‏{‏وجعلوا لله أنداداً‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 30‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فإن الله شديد العقاب‏}‏ دليل جواب الشرط وهو علته، لأن جعل هذا الحكم العام جواباً للشرط يعلم منه أن من ثبت له فعل الشرط يدخل في عموم هذا الجواب، فكون الله شديد العقاب أمر محقق معلوم فذِكره لم يقصد منه الفائدة لأنها معلومة بل التهديد، فعلم أن المقصود تهديد المبدِّل فدل على معنى‏:‏ فالله يعاقبه، لأن الله شديد العقاب، ومعنى شدة عقابه‏:‏ أنه لا يفلت الجاني وذلك لأنه القادر على العقاب، وقد جُوّز أن يكون فإن الله شديد العقاب نفسَ جواب الشرط بجعل أل في العقاب عوضاً عن الضمير المضاف إليه أي شديدُ معاقبِته‏.‏

وإظهار اسم الجلالة هنا مع أن مقتضى الظاهر أن يقال‏:‏ فإنه شديد العقاب، لإدخال الرَّوْع في ضمير السامع وتربية المهابة، ولتكون هذه الجملة كالكلام الجامع مستقلاً بنفسه، لأنها بمنزلة المثل أمر قد علمه الناس من قبل، والعقاب هو الجزاء المؤلم عن جناية وجرم، سمي عقاباً لأنه يعقب الجناية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏212‏]‏

‏{‏زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ‏(‏212‏)‏‏}‏

استئناف بالرجوع إلى أحوال كفار العرب المعنيين من الآيات السابقة قصداً وتعريضاً من قوله‏:‏ ‏{‏هل ينظرون إلاَّ أن يأتيهم الله في ظُلل من الغمام‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 210‏]‏، والمحتج عليهم بقوله‏:‏ ‏{‏سل بني إسرائيل‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 211‏]‏ استئنافاً لبيان خُلُقهم العجيب المفضي بهم إلى قلة الاكتراث بالإيمان وأهله إلى الاستمرار على الكفر وشُعبه التي سبق الحديث عنها، فعن ابن عباس المراد‏:‏ رؤساءُ قريش، فهذا الاستئناف في معنى التعليل للأحوال الماضية، ولأجل ذلك قطع عن الجمل السابقة لا سيما وقد حال بينه وبينها الاستطراد بقوله‏:‏ ‏{‏سل بني إسرائيل‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 211‏]‏ الآية، وليس المراد بالذين كفروا أهل الكتاب مِن معلن ومنافق كما روي عن مقاتل، لأنه ليس من اصطلاح القرآن التعبير عنهم بالذين كفروا، ولأنهم لو كانوا هم المراد لقيل زين لهم الحياة الدنيا، لأنهم من بني إسرائيل، ولأن قوله‏:‏ ‏{‏ويسخرون من الذين آمنوا‏}‏ يناسب حال المشركين لا حالَ أهل الكتاب كما سيأتي‏.‏

والتزيين‏:‏ جعل الشيء زْيناً أو الاحتجاج لكونه زيناً، لأن التفعيل يأتي للجعل ويأتي للنسبة كالتعليم وكالتفسيق والتزكية، والزَّيْن شدة الحسن‏.‏

والحياة الدنيا مراد بها ما تشتمل عليه الحياة من اللَّذَّات والملائمات والذوات الحسنة، وهذا إطلاق مشهور للحياة وما يُرَادِفُها؛ ففي الحديث‏:‏ «مَن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها» أي إلى منافع دُنيا، وهو على حذف مضاف اشتهر حذفه‏.‏

ومعنى تزيين الحياة لهم، إما أن ما خُلق زيناً في الدنيا قد تمكّن من نفوسهم واشتد توغلهم في استحسانه، لأن الأشياء الزَّيْنَة هي حسنة في أعين جميع الناس فلا يختص الذين كفروا بجعلها لهم زَيْنَة كما هو مقتضى قوله‏:‏ ‏{‏للذين كفروا‏}‏؛ فإن اللام تشعر بالاختصاص، وإما ترويج تزيينها في نفوسهم بدعوة شيطانية تحسِّن ما ليس بالحسن كالأقْيسة الشِّعرية والخواطر الشهوية‏.‏

والمزيِّن على المعنى الأول هو الله تعالى إلاّ أنهم أَفرطوا في الإقبال على الزينة، والمزيِّن على المعنى الثاني هو الشيطان ودعاته‏.‏

وحُذِف فاعل التزيين لأن المزيِّن لهم أمورٌ كثيرة‏:‏ منها خلْقُ بعض الأشياء حسنة بديعة كمحاسن الذوات والمناظر، ومنها إلقاء حُسن بعض الأشياء في نفوسهم وهي غير حسنة كقتل النفس، ومنها إعراضهم عمن يدعوهم إلى الإقبال على الأمور النافعة حتى انحصرت هممهم في التوغل من المحاسن الظاهرة التي تحتها العار لو كان بادياً، ومنها ارتياضهم على الانكباب على اللذات دون الفكر في المصالح، إلى غير ذلك من أمور يصلح كل منها أن يُعدَّ فاعلاً للتزيين حقيقة أو عرفاً، فلأجل ذلك طوي ذكر هذا الفاعل تجنباً للإطالة‏.‏

ويجوز أن يكون حذف الفاعل لدقته، إذ المزيِّن لهم الدنيا أمر خفي فيُحتاج في تفصيله إلى شرح في أخلاقهم وهو ما اكتسبته نفوسهم من التعلق باللذات وبغيرها من كل ما حملهم على التعلق به التنافسُ أو التقليدُ حتى عَمُوا عما في ذلك من الأضرار المخالطة للذَّات أو من الأضرار المختصة المغَشَّاة بتحسين العادات الذميمة، وحملهم على الدوام عليه ضعفُ العزائم الناشئ عن اعتياد الاسترسال في جلب الملائمات دون كبح لأزمة الشهوات، ولأجل اختصاصهم بهذه الحالة دون المؤمنين ودون بعض أهل الكتاب الذين ربَّتْ الأديان فيهم عزيمة مقاومةِ دعوة النفوس الذميمة بتعريفهم ما تشتمل عليه تلك اللذات من المذمات وبأمرهم بالإقلاع عن كل ما فيه ضر عاجل أو آجل حتى يجردوها عنها إن أرادوا تناولها وينبذوا ما هو ذميمة محضة، وراضتهم على ذلك بالبشائر والزواجر حتى صارت لهم ملكة، فلذلك لم تزين الدنيا لهم، لأن زينتها عندهم ومعرضة للحكم عليها بالإثبات تارة وبالنفي أخرى، فإن من عرف ما في الأمر الزين ظاهرُه من الإضرار والقبائح انقلب زينه عنده شَينا، خُص التزيين بهم، إذ المراد من قوله‏:‏ ‏{‏زين للذين كفروا‏}‏ ذمُّهم والتحذير من خلقهم، ولهذا لزم حمل التزيين على تزييين يعد ذماً، فلزم أن يكون المراد منه تزييناً مشوباً بما يجعل تلك الزينة مذمة، وإلاّ فإن أصل تزيين الحياة الدنيا المقتضي للرغبة فيما هو زينُ أمرٍ ليس بمذموم إذا روعى فيه ما أوصى الله برعيه قال تعالى‏:‏

‏{‏قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 32‏]‏‏.‏

وقد استقريْتُ مواقع التزيين المذموم فحصرتها في ثلاثة أنواع‏:‏ الأول ما ليس بزين أصلاً لا ذاتاً ولا صفة، لأن جميعه ذم وأذى ولكنه زين للناس بأوهام وخواطر شيطانية وتخييلات شعرية كالخمر‏.‏ الثاني ما هو زين حقيقة لكن له عواقب تجعله ضراً وأذى كالزنا‏.‏ الثالث ما هو زين لكنه يحف به ما يصيره ذميماً كنجدة الظالم وقد حضر لي التمثيل لثلاثتها بقول طرفة‏:‏

ولولا ثلاثٌ هُنَّ من عيشة الفتى *** وجَدِّك لم أَحْفَلْ متى قام عُوَّدِي

فمنهن سَبْقي العاذِلاَت بشَربة *** كُمَيْتتٍ متى ما تُعْلَ بالماءِ تُزْبِدِ

وتقصيرُ يوم الدَّجْننِ والدَّجْنُ مُعْجِبٌ *** بَبْهكَنَةٍ تحتَ الخِبَاءِ المُعَمَّد2

وكَرِّي إذا نادَى المضافُ مُجَنَّباً *** كَسِيدِ الغَضَا نَبَّهْتَه المُتَوَرِّدِ

وقوله‏:‏ ويسخرون من الذين آمنوا عطف على جملة ‏{‏زين للذين كفروا‏}‏ إلخ، وهذه حالة أعجب من التي قبلها وهي حالة التناهي في الغرور؛ إذ لم يقتصروا على افتتانهم بزهرة الحياة الدنيا حتى سخروا بمن لم ينسج على منوالهم من المؤمنين الذين تركوا كثيراً من زهرة الحياة الدنيا لما هداهم الدين إلى وجوب ترك ذلك في أحوال وأنواع تنطوي على خبائث‏.‏

والسَخَر بفتحتين‏:‏ كالفرح وقد تسكن الخاء تخفيفاً وفعله كفرح والسُّخرية الاسم، وهو تعجب مشوب باحتقار الحال المتعجب منها، وفعله قاصر لدلالته على وصف نفسي مثل عَجِب، ويتعدى بمن جارَّة لصاحب الحال المتعجَّب منها فهي ابتدائية ابتداء معنوياً، وفي لغة تعديته بالباء وهي ضعيفة‏.‏

ووجه سخريتهم بالمؤمنين أنهم احتقروا رأيهم في إعراضهم عن اللذات لامتثال أمر الرسول وأفّنوهم في ذلك ورأوهم قد أضاعوا حظوظهم وراء أوهام باطلة، لأن الكفار اعتقدوا أن ما مضى من حياتهم في غير نعمة قد ضاع عليهم إذ لا خلود في الدنيا ولا حياة بعدها كما قال الشاعر ‏(‏أنشده شمر‏)‏‏:‏

وأحمقُ ممن يَلْعَق الماء قال لي *** دع الخمر واشْرَب من نُقَاخٍ مبرَّد

فالسخرية ناشئة عن تزيين الحياة عندهم ولذلك يصح جعل الواو للحال ليفيد تقييد حالة التزيين بحالة السخرية، فتتلازم الحالان ويقدر للجملة مبتدأ، أي وهم يسخرون، وقد قيل إن من جملة من كان الكفار يسخرون منهم بلالاً وعماراً وُصهيباً يقولون‏:‏ هؤلاء المساكين تركوا الدنيا وطيباتها وتحملوا المشاق لطلب ما يسمونه بالآخرة وهي شيء باطل، وممن كان يسخر بهم عبدُ الله بن أُبَيَ والمنافقون‏.‏

وجيء في فعل التزيين بصيغة الماضي وفي فعل السخرية بصيغة المضارع قضاءً لحقْي الدلالة على أن معنيين فعل التزيين أمر مستقر فيهم؛ لأن الماضي يدل على التحقق، وأن معنى ‏{‏يسخرون‏}‏ متكرر متجدد منهم؛ لأن المضارع يفيد التجدد ويعلم السامع أن ما هو محقق بين الفعلين هو أيضاً مستمر؛ لأن الشيء الراسخ في النفس لا تفتر عن تكريره، ويعلم أن ما كان مستمراً هو أيضاً محقق؛ لأن الفعل لا يستمر إلاّ وقد تمكن من نفس فاعله وسكنت إليه، فيكون المعنى في الآية‏:‏ زُيِّن للذين كفروا وتزين الحياة الدنيا وسخروا ويسخرون من الذين آمنوا، وعلى هذا فإنما اختير لفعل التزيين خصوص المضي ولفعل السخرية خصوص المضارعة إيثاراً لكل من الصفتين بالفعل التي هي به أجدر؛ لأن التزيين لما كان هو الأسبق في الوجود وهو منشأ السخرية أوثر بما يدل على التحقق، ليدل على ملكةٍ واعتمد في دلالته على الاستمرار بالاستتباع، والسخرية لما كانت مترتبة على التزيين وكان تكررها يزيد في الذم، إذ لا يليق بذي المروءة السخرية بغيره، أوثرت بما يدل على الاستمرار واعتمد في دلالتها على التحقق دلالة الالتزام، لأن الشيء المستمر لا يكون إلاّ متحققاً‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏والذين اتقوا فوقهم‏}‏ أريد من الذين اتقوا المؤمنون الذين سخر منهم الذين كفروا؛ لأن أولئك المؤمنين كانوا متقين، وكان مقتضى الظاهر أن يقال وهم فوقهم لكن عُدل عن الإضمار إلى اسم ظاهر لدفع إيهام أن يغتر الكافرون بأن الضمير عائد إليهم ويضموا إليه كذباً وتلفيقاً كما فعلوا حين سمعوا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفرءيتم اللات والعزى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 19‏]‏ إذ سجد المشركون وزعموا أن محمداً أثنى على آلهتهم‏.‏ فعدل لذلك عن الإضمار إلى الإظهار ولكنه لم يكن بالاسم الذي سبق أعني ‏(‏الذين ءَامنوا‏)‏ لقصد التنبيه على مزية التقوى وكونها سبباً عظيماً في هذه الفوقية، على عادة القرآن في انتهاز فرص الهدى والإرشاد ليفيد فضل المؤمنين على الذين كفروا، وينبه المؤمنين على وجوب التقوى لتكون سبب تفوقهم على الذين كفروا يوم القيامة، وأما المؤمنون غير المتقين فليس من غرض القرآن أن يعبأ بذكر حالهم ليكونوا دَوماً بين شدة الخوف وقليل الرجاء، وهذه عادة القرآن في مثل هذا المقام‏.‏

والفوقية هنا فوقية تشريف وهي مجاز في تناهي الفضل والسيادة كما استعير التحت لحالة المفضول والمسخَّر والمملوك‏.‏ وقيدت بيوم القيامة تنصيصاً على دوامها، لأن ذلك اليوم هو مبدأ الحياة الأبدية‏.‏

فإن قلت‏:‏ كيفما كان حظ المؤمنين من كثرة التقوى وقلتها إنهم فوق الذين كفروا يوم القيامة بالإيمان والمقام مقام التنويه بفضل المؤمنين فكان الأحق بالذكر هنا وصف «الذين ءَامنوا» قلت‏:‏ وأما بيان مزية التقوى الذي ذكرته فله مناسبات أخرى‏.‏ قلت في الآية تعريض بأن غير المتقين لا تظخر مزيتهم يوم القيامة وإنما تظهر بعد ذلك، لأن يوم القيامة هو مبدأ أيام الجزاء فغير المتقين لا تظهر لهم التفوق يومئذٍ، ولا يدركه الكفار بالحس قال تعالى‏:‏ ‏{‏فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 24‏]‏ نعم تظهر مزيتهم بعد انقضاء ما قُدِّر لهم من العذاب على الذنوب‏.‏

رُوي عن ابن عباس أن الآية نزلت في سادة قريش بمكة سخروا من فقراء المؤمنين وضعفائهم فأعلمهم الله أن فقراء المؤمنين خير منهم عند الله، ووعد الله الفقراء بالرزق وفي قوله‏:‏ ‏{‏من يشاء‏}‏ تعريض بتهديد المشركين بقطع الرزق عنهم وزوال حظوتهم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏والله يرزق من يشاء‏}‏ إلخ تذييل قصد منه تعظيم تشريف المؤمنين يوم القيامة، لأن التذييل لا بد أن يكون مرتبطاً بما قبله فالسامع يعلم من هذا التذييل معنى محذوفاً تقديره والذين اتقوا فوقهم فوقية عظيمة لا يحيط بها الوصف، لأنها فوقية منحوها من فضل الله وفضلُ الله لا نهاية له، ولأن من سخرية الذين كفروا بالذين آمنوا أنهم سخروا بفقراء المؤمنين لإقلالهم‏.‏

والحساب هنا حصر المقدار فنفي الحساب نفي لعلم مقدار الرزق، وقد شاعت هذه الكنابة في كلام العرب كما شاع عندهم أن يقولوا يُعَدُّون بالأصابع ويحيط بها العد كناية عن القِلّة ومنه قولهم شيء لا يُحصى ولذلك صح أن ينفى الحساب هنا عن أمر لا يعقل حسابه وهو الفوقية وقال قيس بن الخطيم‏:‏

ما تمنعِي يقظي فقد تُؤْتينه *** في النَّوْم غيرَ مُصَرَّدٍ محسوبِ

تفسير الآية رقم ‏[‏213‏]‏

‏{‏كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏213‏)‏‏}‏

استئناف لبيان أن اختلاف الأديان أمر كان في البشر لحكمة اقتضته وأنه قد ارتفع ذلك ورجع الله بالناس إلى وِحْدة الدين بالإسلام‏.‏

والمناسبة بينها وبين ما تقدمها تحتمل وجوهاً‏:‏

الأول‏:‏ كَانَ الناس أُمَّةً واحدة فَبَعَثَ الله النبيين مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب بالحق لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس فِيمَا اختلفوا فِيهِ‏}‏ قال فخر الدين‏:‏ إن الله تعالى لما بين في قوله‏:‏ ‏{‏زين للذين كفروا الحياة الدنيا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 212‏]‏ أن سبب إصرار الكفار على كفرهم هو استبدالهم الدنيا بالآخرة بين في هذه الآية أن هذه الحالة غير مختصة بالذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم بل كانت حاصلة في الأزمنة المتقادمة لأن الناس كانوا أمة واحدة قائمة على الحق وما كان اختلافهم لسبب البغي والتحاسد في طلب الدنيا اه، فتكون الجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لتنظير ما لقيه المسلمون بما كان في الأمم الغابرة‏.‏

الثاني‏:‏ يؤخذ من كلام الطيبي عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أم حسبتم أن تدخلوا الجنة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 214‏]‏ أخذ من كلام «الكشاف» أن المقصود من قوله‏:‏ ‏{‏كان الناس أمة واحدة‏}‏ تشجيع الرسول عليه السلام والمؤمنين على الثبات والصبر على أذى المشركين بذكر ما قابلت به الأمم السالفة أنبياءها وما لقوا فيها من الشدائد اه فالمناسبة على هذا في مدلوللِ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 212‏]‏ إلخ، وتكون الجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً للمناسبة‏.‏

والظاهر عندي أن موقع هذه الآية هنا جامع لموقع تذييل لما قبلها ومقدمة لما بعدها‏.‏

فأما الأول فلأنها أفادت بيان حالة الأمم الماضية كيف نشأ الخلاف بينهم في الحق مما لأجله تداركهم الله ببعثات الرسل في العصور والأجيال التي اقتضتها حكمة الله ولطفه مما يماثل الحالة التي نشأت فيها البعثة المحمدية وما لقيه الرسول والمسلمون من المشركين‏.‏

وأما الثاني فلأنها مقدمة لما يرد بعدها من ذكر اختصاص الإسلام بالهداية إلى الحق الذي اختلفت فيه الأمم وهو مضمون قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏إلى صراط المستقيم‏}‏ وذلك من خصائص كون الإسلام مهيمناً على ما سبقه من الشرائع الإلهية وتفضيله على جميع الأديان وأن هذه المزية العظمى يجب الاعتراف بها وألا تكون مثار حسد للنبيء وأمته، رداً على حسد المشركين، إذ يسخرون من الذين آمنوا وعلى حسد أهل الكتاب الذي سبق التنبيه عليه في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم‏}‏ إلى قوله ‏{‏يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 142‏]‏‏.‏

وحصل من عموم ذلك تعليم المسلمين تاريخ أطوار الدين بين عصور البشر بكلمات جامعة ختمت بقوله‏:‏ ‏{‏فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه‏}‏ فإن كان المراد من كونهم أمة واحدة الوحدة في الخير والحق وهو المختار كما سيأتي فقد نبه الله أن الناس اختلفوا فبعث لهم أنبياء متفرقين لقصد تهيئة الناس للدخول في دين واحد عام، فالمناسبة حاصلة مع جملة

‏{‏ادخلوا في السلم كافة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 208‏]‏ بناء على أنها خطاب لأهل الكتاب أي ادخلوا في دين الإسلام الذي هدى الله به المسلمين‏.‏ وإن كان المراد من كون الناس أمة واحدة الوحدة في الضلال والكفر يكون الله قد نبههم أن بعثة الرسل تقع لأجل إزالة الكفر والضلال الذي يحدث في قرون الجهالة، فكذلك انتهت تلك القرون إلى القرن الذي أعقبته بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فتكون الآية تثبيتاً للمؤمنين فالمناسبة حاصلة مع قوله‏:‏ ‏{‏زين للذين كفروا الحياة الدنيا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 212‏]‏‏.‏ فالمعنى أن الإسلام هدى إلى شريعة تجمع الناس كلهم تبييناً لفضيلة هذا الدين واهتداء أهله إلى ما لم يهتد إليه غيرهم، مع الإشارة إلى أن ما تقدمه من الشرائع تمهيد له وتأنيس به كما سنبينه عند قوله‏:‏ ‏{‏فهدى الله الذين آمنوا‏}‏‏.‏

والناس اسم جمع ليس له مفرد من لفظه، و‏(‏أل‏)‏ فيه للاستغراق لا محالة وهو هنا للعموم أي البشر كلهم، إذ ليس ثمة فريق معهود ولكنه عموم عرفي مبني على مراعاة الغالب الأغلب وعدم الاعتداد بالنادر لظهور أنه لا يخلو زمن غلب فيه الخير عن أن يكون بعض الناس فيه شريراً مثل عصر النبوة ولا يخلو زمن غلب فيه الشر من أن يكون بعض الناس فيه خيراً مثل نوح ‏{‏وما آمن معه إلاّ قليل‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 4‏]‏‏.‏

والأمة بضمة الهمزة‏:‏ اسم للجماعة الذين أمرهم واحد، مشتقة من الأم بفتح الهمزة وهو القصد أي يؤمون غاية واحدة، وإنما تكون الجماعة أمة إذا اتفقوا في الموطن أو الدين أو اللغة أو في جميعها‏.‏

والوصف ب ‏(‏واحدة‏)‏ في الآية لتأكيد الإفراد في قوله ‏(‏أمة‏)‏ لدفع توهم أن يكون المراد من الأمة القبيلة، فيظن أن المراد كان الناس أهل نسب واحد، لأن الأمة قد تطلق على من يجمعهم نسب متحد‏.‏

والوحدة هنا‏:‏ مراد بها الاتحاد والتماثل في الدين بقرينة تفريع ‏{‏فبعث الله النبيئين‏}‏ الخ، فيحتمل أن يكون المراد كانوا أمة واحدة في الحق والهدى أي كان الناس على ملة واحدة من الحق والتوحيد، وبهذا المعنى روى الطبري تفسيرها عن أُبَيّ بن كعب وابن عباس ومجاهد وقتادة وجابر بن زيد وهو مختار الزمخشري قال الفخر‏:‏ وهو مختار أكثر المحققين قال القفال‏:‏ بدليل قوله تعالى بعده ‏{‏فبعث الله النبيين‏}‏ إلى قوله ‏{‏فيما اختلفوا فيه‏}‏، لأن تفريع الخبر ببعثة النبيين على الجملة السابقة وتعليل البعث بقوله ‏{‏ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه‏}‏ انتظم من ذلك كلام من بليغ الإيجاز وهو أن الناس كانوا أمة واحدة فجاءتهم الرسل بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد ليدوموا على الحق خشية انصرافهم عنه إذا ابتدأ الاختلاف يظهر وأيدهم الله بالكتب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، فلا جرم أن يكون مجيء الرسل لأجل إبطال اختلاف حدث، وأن الاختلاف الذي يحتاج إلى بعثة الرسل هو الاختلاف الناشئ بعد الاتفاق على الحق كما يقتضيه التفريع على جملة ‏{‏كان الناس أمة واحدة‏}‏ بالفاء في قوله‏:‏ ‏{‏فبعث الله النبيين‏}‏ وعلى صريح قوله‏:‏ ‏{‏ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه‏}‏‏.‏

ولأجل هذه القرينة يتعين تقدير فاختلفوا بعد قوله ‏{‏أمة واحدة‏}‏، لأن البعثة ترتبت على الاختلاف لا على الكون أمة واحدة، وعلى هذا الفهم قرأ ابن مسعود ‏(‏كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله‏)‏ الخ، ولو كان المراد أنهم كانوا أمة واحدة في الضلال لصح تفريع البعثة على نفس هذا الكون بلا تقدير ولولا أن القرينة صرفت عن هذا لكان هو المتبادر، ولهذا قال ابن عطية كل من قدَّر الناسَ في الآية كانوا مؤمنين قدَّر في الكلام فاختلفوا وكل من قدرهم كفاراً كانت بعثة الرسل إليهم اه‏.‏ ويؤيد هذا التقدير قوله في آية سورة يونس ‏(‏19‏)‏ ‏{‏وما كان الناس إلا أُمة واحدة فاختلفوا لأن الظاهر اتحاد غرض الآيتين، ولأنه لما أخبر هنا عن الناس بأنهم كانوا أمة واحدة ونحن نرى اختلافهم علمنا أنهم لم يدوموا على تلك الحالة‏.‏

والمقصود من الآية على هذا الوجه التنبيه على أن التوحيد والهدى والصلاح هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها حين خلقهم كما دلت عليه آية ‏{‏ألست بربكم‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 172‏]‏، وأنها ما غشَّاها إلاّ تلقين الضلال وترويج الباطل وأن الله بعث النبيئين لإصلاح الفطرة إصلاحاً جزئياً فكان هديهم مختلف الأساليب على حسب اختلاف المصالح والأهلية وشدة الشكائم، فكان من الأنبياء الميسر ومنهم المغلظ وأنه بعث محمداً لإكمال ذلك الإصلاح، وإعادة الناس إلى الوحدة على الخير والهدى وذلك معنى قوله‏:‏ ‏{‏فهدى الله الذين آمنوا‏}‏ الخ‏.‏

وعن عطاء والحسن أن المعنى كان الناس أمة واحدة متفقين على الضلال والشر وهو يروى عن ابن عباس أيضاً وعليه فعطف قوله ‏{‏فبعث الله النبيئين‏}‏ عطف على اللفظ الظاهر لا تقدير معه أي كانوا كذلك فبعث الله النبيئين فيعلم أن المراد ليرشدوا الناس إلى الحق بالتبشير والنذارة‏.‏ فالمقصود من الآية على هذا التأويل إظهار أن ما بعث الله به النبيئين قد وقع فيه التغيير والاختلاف فيما بعثوا به وأن الله بعث محمداً بالقرآن لإرشادهم إلى ما اختلفوا فيه فيكون المقصود بيان مزية دين الإسلام وفضله على سائر الأديان بما كان معه من البيان والبرهان‏.‏

وأيّاً ما كان المراد فإن فعل كان هنا مستعمل في أصل معناه وهو اتصاف اسمها المخبر عنه بمضمون خبرها في الزمن الماضي وأن ذلك قد انقطع، إذ صار الناس منقسمين إلى فئتين فئة على الحق وفئة على الباطل‏.‏

فإن كان المراد الوحدة في الحق فقد حصل ذلك في زمن كان الغالب فيه على الناس الرشد والاستقامة والصلاح والإصلاح فلم يكونوا بحاجة إلى بعثة الرسل إلى أن اختلفت أحوالهم فظهر فيهم الفساد، فقيل كان ذلك فيما بين آدم ونوح ونقل هذا عن ابن عباس وقتادة ومجاهد، وقال ابن عطية قال قوم كان ذلك زمن نوح كفر رجل قومه فهلكوا بالطوفان إلاّ من نجاه الله مع نوح فكان أولئك النفر الناجون أمة واحدة قائمة على الحق، وقيل إنما كان الناس على الحق حين خلق الله الأرواح التي ستودع في بني آدم ففطرها على الإسلام فأقروا له بالوحدانية والعبودية وهو ما في قوله تعالى في سورة الأعراف ‏(‏172، 173‏)‏‏:‏ ‏{‏وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم‏}‏ على أحد تفاسير تلك الآية وروي هذا عن أبي بن كعب وجابر بن زيد والربيع بن سليمان‏.‏

وفي تفسير الفخر‏}‏ عن القاضي عبد الجبار وأبي مسلم الأصفهاني أن معنى الآية‏:‏ كان الناس أمة واحدة في التمسك بالشرائع العقلية على وجود الخالق وصفاته واحتناب الظلم والكذب وحجتهما على ذلك أن قوله‏:‏ ‏{‏النبيئين جمع يفيد العموم ‏(‏أي لأنه معرف باللام‏)‏ فيقتضي أن بعثة كل النبيئين كانت بعد أن كان الناس أمة واحدة بدليل الفاء، والشرائع إنما تلقيت من الأنبياء، فتعين أن كون الناس أمة واحدة شيء سابق على شرائع الأنبياء ولا يكون إلاّ مستفاداً من العقل، وهما يعنيان أن الله فطر الإنسان في أول نشأته على سلامة الفطرة من الخطأ والضلال، قال تعالى‏:‏ ‏{‏لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم‏}‏ ‏[‏التين‏:‏ 4‏]‏ وقيل‏:‏ أريد بالناس آدم وحواء‏.‏ نقله ابن عطية عن مجاهد وقوم، والذي نجزم به أن هذا كان في زمن من أزمان وجود الناس على الأرض يعلمه الله تعالى لقوله‏:‏ ‏{‏وقروناً بين ذلك كثيراً‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 38‏]‏ والأظهر أنه من زمن وجود آدم إلى أن أشرك قوم نوح‏.‏

وإن كان المراد الوحدة على الباطل فقد حصل ذلك في زمن نوح في أول ما قص الله علينا مع ما ورد في الصحيح أن نوحاً أول الرسل إلى أهل الأرض، فيظهر أن الضلال حدث في أهل الأرض وعمَّهم عاجلاً فبعث الله نوحاً إليهم ثم أهلك الكافرين منهم بالطوفان ونجى نوحاً ونفراً معه فأصبح جميع الناس صالحين، ثم اختلفوا بعد ذلك فبعث الله النبيين‏.‏ فيجدر بنا أن ننظر الآن فيما تضمنته هذه الآية من المعنى في تاريخ ظهور الشرائع وفي أسباب ذلك‏.‏

الناس أبناء أب واحد وأم واحدة فلا جرم أن كانوا في أول أمرهم أمة واحدة لأن أبويهم لما ولدا الأبناء الكثيرين وتوالد أبناؤهما تألفت منهم في أمد قصير عائلة واحدة خلقت من مزاج نقي فكانت لها أمزجة متماثلة ونشأوا على سيرة واحدة في أحوال الحياة كلها وما كانت لتختلف إلاّ اختلافاً قليلاً ليس له أثر يؤبه به ولا يحدث في العائلة تنافراً ولا تغالباً‏.‏

ثم إن الله تعالى لما خلق نوع الإنسان أراده ليكون أفضل الموجودات في هذا العالم الأرضي فلا جرم أن يكون خلقه على حالة صالحة للكمال والخير قال تعالى‏:‏ ‏{‏لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم‏}‏ ‏[‏التين‏:‏ 4‏]‏‏.‏ فآدم خلق في أحسن تقويم يليق بالذكر جسماً وعقلاً وألهمه معرفة الخير واتباعه ومعرفة الشر وتجنبه فكانت آراؤه مستقيمة تتوجه ابتداء لما فيه النفع وتهتدي إلى ما يحتاج للاهتداء إليه، وتتعقل ما يشار به عليه فتميز النافع من غيره ويساعده على العمل بما يهتدي إليه فكره جسد سليم قوي متين وحواءُ خلقت في أحسن تقويم يليق بالأنثى خلقاً مشابهاً لخلق آدم، إذ إنها خلقت كما خلق آدم، قال تعالى‏:‏ ‏{‏خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 1‏]‏ فكانت في انسياق عقلها واهتدائها وتعقلها ومساعدة جسدها على ذلك على نحو ما كان عليه آدم‏.‏ ولا شك أن أقوى عنصر في تقويم البشر عند الخلقة هو العقل المستقيم فبالعقل تأتَّى للبشر أن يتصرف في خصائصه، وأن يضعها في مواضع الحاجة إليها‏.‏

هكذا كان شأن الذكَر والأنثى فما ولدا من الأولاد نشأ مثل نشأتهما في الأحوال كلها، ألم تر كيف اهتدى أحد بني آدم إلى دفن أخيه من مشاهدة فعل الغراب الباحث في الأرض فكانت الاستنباط الفكري والتقليدُ به أسَّ الحضارة البشرية‏.‏ فالصلاح هُوَ الأصل الذي خلق عليه البشر ودام عليه دهراً ليس بالقصير، ثم أخذ يرتد إلى أسفل سافلين، ذلك أن ارتداد الإنسان إلى أسفل سافلين إنما عرض له بعوارض كانت في مبدأ الخليقة قليلة الطرُوّ أوْ معدومته، لأن أسباب الانحراف عن الفطرة السليمة لا تعدو أربعة أسباب‏:‏

الأول‏:‏ خلل يعرض عند تكوين الفرد في عقله أو في جسده فينشأ منحرفاً عن الفضيلة لتلك العاهة‏.‏

الثاني‏:‏ اكتساب رَذائل من الأخلاق من مخترعات قواه الشهوية والغضبية ومن تقليد غيره بداعية استحسان ما في غيره من مفاسد يخترعها ويدعو إليها‏.‏

الثالث‏:‏ خواطر خياليّة تحدث في النفس مخالفة لما عليه الناس كالشهوات والإفراط في حب الذات أو في كراهية الغير مما توسوس به النفس فيفكر صاحبها في تحقيقها‏.‏

الرابع‏:‏ صدور أفعال تصدر من الفرد بدواع حاجية أو تكميلية ويجدها ملائمة له أو لذيذة عنده فيلازمها حتى تصير له عادة وتشتبه عنده بعد طول المدة بالطبيعة، لأن العادة إذا صادفت سذاجة من العقل غير بصيرة بالنواهي رسخت فصارت طبعاً‏.‏

فهذه أربعة أسباب للانحطاط عن الفطرة الطيبة، والأول كان نادر الحدوث في البشر، لأن سلامة الأبدان وشبابَ واعتدالَ الطبيعة وبساطةَ العيش ونظامَ البِيئة كل تلك كانت موانع من طرو الخلل التكويني، ألا ترى أن نوع كل حيواننٍ يلازم حال فطرته فلا ينحرف عنها باتباع غيره‏.‏

والثاني كان غير موجود، لأن البشر يومئذٍ كانوا عائلة واحدة في موطن واحد يسير على نظام واحد وتربية واحدة وإحساس واحد فمن أين يجيئه الاختلاف‏؟‏

والثالث ممكن الوجود لكن المحبة الناشئة عن حسن المعاشرة وعن الإلف، والشفقة الناشئة عن الأخوة والمواعظ الصادرة عن الأبوين كانت حُجباً لما يهجس من هذا الإحساس‏.‏

والرابع لم يكن بالذي يكثر في الوقت الأول من وجود البشر، لأن الحاجات كانت جارية على وفق الطباع الأصلية ولأن التحسينات كانت مفقودة، وإنما هذا السبب الرابع من موجبات الرقي والانحطاط في أحوال الجمعيات البشرية الطارئة‏.‏

أما حادثة قتل ابن آدم أخاه فما هي إلاّ فلتة نشأت عن السبب الثالث عن إحساس وجداني هو الحسَد مع الجهل بمغبة ما ينشأ عن القتل؛ لأن البشر لم يعرف الموت إلاّ يومئذٍ ولذلك أسرعت إليه الندامة، فتبين أن الصلاح هو حال الأمة يومئذٍ أو هو الغالب عليها‏.‏

وينشأ عن هذا الصلاح والاستقامة في الآباء دوام الاستقامة في النسل، لأن النسل مُنْسَلٌ من ذوات الأصول فهو ينقل ما فيها من الأحوال الخِلقية والخُلُقية، ولما كان النسل منسَلاَ من الذكر والأنثى كان بحكم الطبع محصِّلاً على مجموع من الحالتين فإن استوت الحالتان أو تقاربتا جاء النسل على أحوال مساويةِ المظاهرِ لأحوال سلفه، قال نوح عليه السلام في عكسه ‏{‏ولا يَلدوا إلاّ فاجراً كفاراً‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 27‏]‏، ومما يدل على أن حال البشر في أول أمره صلاحٌ ما نقله في «الكشاف» عن ابن عباس أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون على شريعة من الحق‏.‏

ثم كثرت العائلة البشرية وتكونت منها القبيلة فتكاثرت ونشأ فيها مع الزمان قليلاً قليلاً خواطر مختلفة ودبت فيها أسباب الاختلاف في الأحوال تبعاً لاختلاف بين حالي الأب والأم، فجاء النسل على أحوال مركبة مخالفة لكل من مفرد حالتي الأب والأم، وبذلك حدثت أمزجة جديدة وطرأت عليها حينئذٍ أسباب الانحطاط الأربعة، وصارت ملازمة لطوائف من البشر بحكم التناسل والتلقي، هنالك جاءت الحاجة إلى هدي البشر ببعثة الرسل، والتاريخُ الديني دلنا على أن نوحاً أول الرسل الذين دَعوا إلى الله تعالى قال تعالى‏:‏ ‏{‏شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 13‏]‏ الآية، ولما ذكر الرسل في آيات القرآن ابتدأهم في جميع تلك الآيات بنوح ولم يذكر آدم وفي حديث الشفاعة في الصحيح تصريح بذلك أن آدم يقول للذين يستشفعون به إني لست هناكم، ويذكر خطيئته ايتوا نوحاً أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، وبهذا يتعين أن خطيئة قابيل ليست مخالفة شرع مشروع، وأن آدم لم يكن رسولاً وأنه نبيء صالح أوحي إليه بما يهذب ابناءه ويعلمهم بالجزاء‏.‏

فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فبعث الله النبيئين‏}‏ هو على الوجه الأول مفرع على ما يؤذن به قوله‏:‏ ‏{‏كان الناس أمة واحدة‏}‏ مع تحقق وجود الخلاف بينهم بالمشاهدة من إرادة أن كونهم أمة واحدة دام مدة ثم انقضى، فيكون مفرعاً على جملة مقدرة تقديرها فاختلفوا فبعث الله النبيئين، وعلى الوجه الآخر مفرعاً على الكون أمة واحدة في الباطل فعلى الأول يكون أول النبيين المبعوثين نوحاً، لأنه أول الرسل لإصلاح الخلق‏.‏ وعلى الثاني‏:‏ يكون أولهم آدم بعث لبنيه لما قتل أحدهم أخاه؛ فإن الظاهر أن آدم لم يبعث بشريعة لعدم الدواعي إلى ذلك، وإنما كان مرشداً كما يرشد المربي عائلته‏.‏

والمراد بالنبيين هنا الرسل بقرينة قوله‏:‏ ‏{‏وأنزل معهم الكتاب بالحق‏}‏ والإرسال بالشرائع متوغل في القدم وقبله ظهور الشرط وهو أصل ظهور الفواحش لأن الاعتقاد الفاسد أصل ذميم الفعال، وقد عبد قوم نوح الأصنام، عبدوا ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا وهم يومئذٍ لم يزالوا في مواطن آدم وبنيه في ‏(‏جبال نوذ‏)‏ من بلاد الهند كما قيل، وفي البخاري عن ابن عباس أن ودّاً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً كانوا من صالحي قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت اه، وقيل كانوا من صالحي قوم آدم، وقيل إن سواعاً هو ابن شيث وأن يغوث ابن سواع ويعوق ابن سغوث ونسر بن يعوق، وقيل إنهم من صالحي عصر آدم ماتوا فنحت قابيل بن آدم لهم صوراً ثم عبدوهم بعد ثلاثة أجيال، وهذا كله زمن متوغل في القدم قبل التاريخ فلا يؤخذ إلاّ بمزيد الاحتراز، وأقدم شريعة أثبتها التاريخ شريعة برهمان في الهند فإنها تبتدئ من قبل القرن الثلاثين قبل الهجرة‏.‏ وفي هذا العهد كانت في العراق شريعة عظيمة ببابل وضعها ملك بابل المدعو ‏(‏حَمُورَابي‏)‏ ويظن المؤرخون أنه كان معاصراً لإبراهيم عليه السلام وأنه المذكور في «سفر التكوين» باسم ‏(‏ملْكي صادق‏)‏ الذي لقي إبراهيم في شاليم وبارك إبراهيم ودعا له‏.‏

والبعث‏:‏ الإرسال والإنهاض للمشي ومنه بعث البعير إذا أنهضه بعد أن برك والبعث هنا مجاز مستعمل في أمر الله النبي بتبليغ الشريعة للأمة‏.‏

و ‏(‏النبيئين‏)‏ جمع نبيء وهو فعيل بمعنى مفعول مشتق من النبأ وهو الخبر المهم، لأن الله أخبره بالوحي وعلم ما فيه صلاح نفسه وصلاح من ينتسب إليه، فإن أمره بتبليغ شريعة الأمة فهو رسول فكل رسول نبيء، والقرآن يذكر في الغالب النبي مراداً به الرسول، وقد ورد أن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً لا يعلم تفصيلهم وأزمانهم إلاّ الله تعالى قال تعالى‏:‏

‏{‏وقروناً بين ذلك كثيراً‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 38‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 17‏]‏‏.‏ وعدد الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر‏.‏

والمراد بالنبيين هنا خصوص الرسل منهم بقرينة قوله ‏{‏بعث‏}‏ وبقرينة الحال في قوله‏:‏ ‏{‏مبشرين ومنذرين‏}‏، لأن البشارة والإنذار من خصائص الرسالة والدعوة وبقرينة ما يأتي من قوله‏:‏ ‏{‏وأنزل معهم الكتاب بالحق‏}‏ الآية‏.‏ فالتعريف في ‏(‏النبيين‏)‏ للاستغراق وهو الاستغراق الملقب بالعرفي في اصطلاح أهل المعاني‏.‏

والبشارة‏:‏ الإعلام بخير حصل أو سيحصل، والنذارة بكسر النون الإعلام بشر وضر حصل أو سيحصل، وذلك هو الوعد والوعيد الذي تشتمل عليه الشرائع‏.‏

فالرسل هم الذين جاءوا بالوعد والوعيد، وأما الأنبياء غير الرسل فإن وظيفتهم هي ظهور صلاحهم بين قومهم حتى يكونوا قدوة لهم، وإرشاد أهلهم وذويهم ومريديهم للاستقامة من دون دعوة حتى يكون بين قومهم رجال صالحون، وإرشاد من يسترشدهم من قومهم، وتعليم من يرونه أهلاً لعلم الخير من الأمة‏.‏

ثم هم قد يجيئون مؤيدين لشريعة مضت كمجيء إسحاق ويعقوب والأسباط لتأييد شريعة إبراهيم عليه السلام، ومجيء أنبياء بني إسرائيل بعد موسى لتأييد التوراة، وقد لا يكون لهم تعلق بشرع من قبلهم كمجيء خالد بن سنان العَبْسي نبيئاً في عَبْس من العرب‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وأنزل معهم الكتاب‏}‏، الإنزال‏:‏ حقيقته تدلية الجسم من علو إلى أسفل، وهو هنا مجاز في وصول الشيء من الأعلى مرتبة إلى من هو دونه، وذلك أن الوحي جاء من قبل الله تعالى ودال على مراده من الخلق فهو وارد للرسل في جانب له علو منزلة‏.‏

وأضاف مع إلى ضمير النبيئين إضافة مجملة واختير لفظ مع دون عليهم ليصلح لمن أنزل عليه كتاب منهم مثل إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، ولمن جاء مؤيداً لمن قبله مثل أنبياء بني إسرائيل بين موسى وعيسى‏.‏

والكتاب هو المكتوب، وأطلق في اصطلاح الشرع على الشريعة لأن الله يأمر الناس بكتابتها لدوام حفظها والتمكن من مدارستها، وإطلاق الكتاب عليها قد يكون حقيقة إن كانت الشريعة في وقت الإطلاق قد كتبت أو كتب بعضها كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الم ذلك الكتاب‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 1 2‏]‏ على أحد الوجهين المتقدمين هنالك، وقد يكون مجازاً على الوجه الآخر، وما هنا يحمل على الحقيقة لأن الشرائع قد نزلت وكتبت وكتب بعض الشريعة المحمدية‏.‏

والمعية معية اعتبارية مجازية أريد بها مقارنة الزمان، لأن حقيقة المعية هي المقارنة في المكان وهي المصاحبة، ولعل اختيار المعية هنا لما تؤذن به من التأييد والنصر قال تعالى‏:‏ ‏{‏إنني معكما أسمع وأرى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 20‏]‏ وفي الحديث «ومعك روح القدس»‏.‏

والتعريف في الكتاب للاستغراق، أي وأنزل مع النبيئين الكتب التي نزلت كلها وهو من مقابلة الجمع بالجمع على معنى التوزيع، فالمعنى أنزل مع كل نبي كتابه وقرينة التوزيع موكولة لعلم السامعين لاشتهار ذلك‏.‏

وإنما أفرد الكتاب ولم يقل الكتب، لأن المفرد والجمع في مقام الاستغراق سواء، وقد تقدم مع ما في الإفراد من الإيجاز ودفع احتمال العهد إذ لا يجوز أن ينزل كتاب واحد مع جمع النبيئين؛ فتعين أن يكون المراد الاستغراق لا العهد، وجوز صاحب «الكشاف» كون اللام للعهد والمعنى أنزل مع كل واحد كتابه‏.‏

والضمير في ‏{‏ليحكم‏}‏ راجع إلى الكتاب فإسناد الحكم إلى الكتاب مجاز عقلي، لأنه مبين ما به الحكم، أو فعل يحكم مجاز في البيان‏.‏ ويجوز رجوع الضمير إلى اسم الجلالة أي أنزل الله الكتاب ليحكم بينهم إسناد الحكم مجاز عقلي، لأنه المسبب له والأمر بالقضاء به، وتعدية ‏(‏يحكم‏)‏ ببين لأنه لم يعين فيه محكوم له أو عليه‏.‏

وحكم الكتاب بين الناس بيان الحق والرشد والاستدلال عليه، وكونه فيما اختلفوا فيه كناية عن إظهاره الحق، لأن الحق واحد لا يختلف فيه إلاّ عن ضلال أو خطأ، ولهذا قال جمهور علمائنا إن المصيب في الاجتهاديات واحد‏.‏

عطف على جملة ‏{‏أنزل معهم الكتاب بالحق‏}‏ لبيان حقيقة أخرى من أحوال اختلاف الأمم وهو الاختلاف بين أهل الكتاب بعضهم مع بعض وبين أهل الكتاب الواحد مع تلقيهم ديناً واحداً، والمعنى وأنزل معهم الكتاب بالحق فاختلف فيه كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 110‏]‏‏.‏ والمعنى وما اختلف فيه إلا أقوامهم الذين أوتوا كتبهم فاستغنى بجملة القصر عن الجملة الأخرى لتضمن جملة القصر إثباتاً ونفياً‏.‏ فاللَّه بعث الرسل لإبطال الضلال الحاصل من جهل البشر بصلاحهم فجاءت الرسل بالهدى، اتبعهم من اتبعهم فاهتدى وأعرض عنهم من أعرض فبقي في ضلالة، فإرسال الرسل لإبطال الاختلاف بين الحق والباطل، ثم أحدث اتباع الرسل بعدهم اختلافاً آخر وهو اختلاف كل قوم في نفس شريعتهم‏.‏ والمقصود من هذا بيان عجيب حال البشر في تسرعهم إلى الضلال، وهي حقيقة تاريخية من تاريخ الشرائع، وتحذير المسلمين من الوقوع في مثل ذلك‏.‏

والتعريض بأهل الكتاب وهم أشهر أهل الشرائع يومئذٍ فيما صنعوا بكتبهم من الاختلاف فيها، وهذا من بديع استطراد القرآن في توبيخ أهل الكتاب وخاصة اليهود وهي طريقة عربية بليغة قال زهير

إن البخيل ملوم حين كان *** ولكن الجوادَ على علاَّته هرم

وقال الفرزدق يمدح الخليفة ويستطرد بهجاء جرير‏:‏

إلى مَلِك ما أُمُّه من مُحَارِب *** أبُوه ولا كانَتْ كُلَيْبٌ تصاهره

والضمير من قوله‏:‏ ‏{‏فيه‏}‏ يجوز أن يعود إلى الكتاب وأن يعود إلى الحق الذي تضمنه الكتاب، والمعنى على التقديرين واحد، لأن الكتاب أنزل ملابساً للحق ومصاحباً له فإذا اختلف في الكتاب اختلف في الحق الذي فيه وبالعكس على طريقة قياس المساواة في المنطق‏.‏

والاختلاف في الكتاب ذهاب كل فريق في تحريف المراد منه مذهباً يخالف مذهب الآخر في أصول الشرع لا في الفروع، فإن الاختلاف في أصوله يعطل المقصود منه‏.‏

وجيء بالموصول دون غيره من المعرفات لما في الصلة من الأمر العجيب وهو أن يكون المختلفون في مقصد الكتاب هم الذين أعطوا الكتاب ليزيلوا به الخلاف بين الناس فأصبحوا هم سبب خلاف فيه، ولا شك أن ذلك يبطل المراد منه‏.‏

والمعنى تشنيع حال الذين أوتوه بأن كانوا أسوأ حالاً من المختلفين في الحق قبل مجيء الشرائع، لأن أولئك لهم بعض العذر بخلاف الذين اختلفوا بعد كون الكتاب بأيديهم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏من بعد ما جاءتهم البينات‏}‏ متعلق باختلف، والبينات جمع بينة وهي الحجة والدليل‏.‏ والمراد بالبينات هنا الدلائل التي من شأنها الصدّ عن الاختلاف في مقاصد الشريعة، وهي النصوص التي لا تحتمل غير مدلولاتها أعني قواطع الشريعة، والظواهر المتعاضدة التي التحقت بالقواطع‏.‏ والظواهر التي لم يدع داع إلى تأويلها ولا عارضها معارض‏.‏ والظواهر المتعارضة التي دل تعارضها على أن محمل كل منها على حالة لا تعارض حالة محمل الآخر وهو المعبر عنه في الأصول بالجمع بين الأدلة وتواريخ التشريع الدالة على نسخ حكم حكماً آخر، أو ما يقوم مقام التاريخ من نحو هذا ناسخ، أو كان الحكم كذا فصار كذا، فهذه بينات مانعة من الاختلاف لو كان غرض الأمم اتباع الحق ومجئ البينات بلوغ ما يدل عليها وظهور المراد منها‏.‏

والبعدية هنا‏:‏ بعدية اعتبار لم يقصد منها تأخر زمان الاختلاف عن مجيء البينات، وإن كان هو كذلك في نفس الأمر، أي إن الخلاف كان في حالة تقررت فيها دلائل الحق في نفوس المختلفين‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بغياً بينهم‏}‏ مفعول لأجله لاختلفوا، والبغي‏:‏ الظلم وأصل البغي في كلام العرب الطلب، ثم شاع في طلب ما للغير بدون حق فصار بمعنى الظلم معنى ثانياً وأطلق هنا على الحسد لأن الحسد ظلم‏.‏

والمعنى أن داعي الاختلاف هو التحاسد وقصد كل فريق تغليط الآخر فيحمل الشريعة غير محاملها ليفسد ما حملها عليه الآخر فيفسد كل فريق صواب غيره وأما خطؤه فأمره أظهر‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بينهم‏}‏ متعلق بقوله‏:‏ ‏{‏بغياً‏}‏ للتنصيص على أن البغي بمعنى الحسد، وأنه ظلم في نفس الأمة وليس ظلماً على عدوها‏.‏

واعلم أن تعلق كل من المجرور وهو ‏{‏من بعد ما جاءتهم‏}‏ وتعلق المفعول لأجله وهو ‏{‏بغياً‏}‏ بقوله‏:‏ ‏{‏اختلف‏}‏ الذي هو محصور بالاستثناء المفرغ، ويستلزم أن يكون كلاهما محصوراً في فاعل الفعل الذي تعلقا به، فلا يتأتى فيه الخلاف الذي ذكره الرضي بين النحاة في جواز استثناء شيئين بعد أداة استثناء واحدة، لأن التحقيق أنّ ما هنا ليس استثناء أشياء بل استثناء شيء واحد وهم الذين أوتوه، لكنه مقيد بقيدين هما ‏{‏من بعد ما جاءتهم البينات‏}‏ و‏{‏بغياً‏}‏ إذ المقصود أن الخلاف لم يكن بين أهل الدين ومعانديه، ولا كان بين أهل الدين قبل ظهور الدلائل الصارفة عن الخلاف، ولا كان ذلك الخلاف عن مقصد حسن بل كان بين أهل الدين الواحد، مع قيام الدلائل وبدافع البغي والحسد‏.‏

والآية تقتضي تحذير المسلمين من الوقوع فيما وقعت فيه الأمم السابقة من الاختلاف في الدين أي في أصول الإسلام، فالخلاف الحاصل بين علماء الإسلام ليس اختلافاً في أصول الشريعة، فإنها إجماعية، وقد أجمعوا على أنهم يريدون تحقيقها، ولذلك اتفقت أصولهم في البحث عن مراد الله تعالى وعن سنة رسوله للاستدلال عن مقصد الشارع وتصرفاته، واتفقوا في أكثر الفروع، وإنما اختلفوا في تعيين كيفية الوصول إلى مقصد الشارع، وقد استبرءوا للدِّين فأعلنوا جميعاً أن لله تعالى حكماً في كل مسألة، وأنه حكم واحد، وأنه كلف المجتهدين بإصابته وأن المصيب واحد، وأن مخطئه أقل ثواباً من مصيبه، وأن التقصير في طلبه إثم‏.‏ فالاختلاف الحاصل بين علمائنا اختلاف جليل المقدار موسع للأنظار‏.‏

أما لو جاء أتباعهم فانتصروا لآرائهم مع تحقق ضعف المدرك أو خطئه لقصد ترويج المذهب وإسقاط رأي الغير فذلك يشبه الاختلاف الذي شنعه الله تعالى وحذرنا منه فكونوا من مثله على حذر ولا تكونوا كمثل قول المعري‏:‏

فمجادل وصَلَ الجدالَ وقد درى *** أن الحقيقة فيه ليس كما زعَمْ

عَلِم الفتى النَّظَّار أن بصائرا *** عميتْ فكم يُخفى اليقين وكم يُعَم

وقوله‏:‏ ‏{‏فهدى الله الذين آمنوا‏}‏ هذا العطف يحتمل أن الفاء عاطفة على ‏{‏اختلف فيه‏}‏ الذي تضمنته جملة القصر، قال ابن عرفة‏:‏ عطف بالفاء إشارة إلى سرعة هدايته المؤمنين بعقب الاختلاف اه، يريد أنه تعقيب بحسب ما يناسب سرعة مثله وإلا فهدى المسلمين وقع بعد أزمان مضت، حتى تفاقم اختلاف اليهود واختلاف النصارى، وفيه بعد لا يخفى، فالظاهر عندي أن الفاء فصيحة لما علم من أن المقصود من الكلام السابق التحذير من الوقوع في الاختلاف ضرورة أن القرآن إنما نزل لهدي المسلمين للحق في كل ما اختلف فيه أهل الكتب السالفة فكأنَّ السامعَ ترقب العلم بعاقبة هذا الاختلاف فقيل‏:‏ دامَ هذا الاختلاف إلى مجيء الإسلام فهدى الله الذين آمنوا إلخ، فقد أفصحت عن كلام مقدر وهو المعطوف عليه المحذوف كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏اضرب بعصاك الحجر فانفجرت‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 60‏]‏‏.‏

والمراد من الذين آمنوا المسلمون لا محالة، والضمير في ‏{‏اختلفوا‏}‏ عائد للمختلفين كلهم، سواء الذين اختلفوا في الحق قبل مجيء الرسل والذين اختلفوا في الشرائع بعد مجيء الرسل والبينات ولذلك بينه بقوله‏:‏ ‏{‏من الحق‏}‏ وهو الحق الذي تقدم ذكره في قوله‏:‏ ‏{‏وأنزل معهم الكتاب بالحق‏}‏ اختلاف الفريقين راجع إلى الاختلاف في تعيين الحق إما عن جهل أو عن حسد وبغي‏.‏

والإذن‏:‏ الخطاب بإباحة فعل وأصله مشتق من فعل أذنَ إذا أصغى أُذُنه إلى كلام مَن يكلمه، ثم أطلق على الخطاب بإباحة فعل على طريقة المجاز بعلاقة اللزوم لأن الإصغاء إلى كلام المتكلم يستلزم الإقبال عليه وإجابةَ مطلبه، وشاع ذلك حتى صار الإذن أشْيَع في معنى الخطاب بإباحة الفعل، وبذلك صار لفظ الإذن قابلاً لأن يستعمل مجازاً في معان من مشابهات الخطاب بالإباحة، فأطلق في هذه الآية على التمكين من الاهتداء وتيسيره بما في الشرائع من بيان الهُدى والإرشاد إلى وسائل الاهتداء على وجه الاستعارة، لأن من ييسر لك شيئاً فكأنه أباح لك تناوله‏.‏

وفي هذا إيماء إلى أن الله بعث بالإسلام لإرجاع الناس إلى الحق وإلى التوحيد الذي كانوا عليه، أو لإرجاعهم إلى الحق الذي جاءت الرسل لتحصيله، فاختلف أتباعهم فيه بدلاً من أن يحققوا بأفهامهم مقاصد ما جاءت به رسلهم، فحصل بما في الإسلام من بيان القرآننِ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وضوحُ الحق والإرشاد إلى كيفية أخذه، فحصل بمجيء الإسلام إتمام مراد الله مما أنزل من الشرائع السالفة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم‏}‏ تذييل لبيان أن فضل الله يعطيه من يشاء، وهذا إجمال، وتفصيله أن حكمة الله اقتضت أن يتأخر تمام الهدى إلى وقت مجئ شريعة الإسلام لمَّا تهيأَ البشر بمجيء الشرائع السابقة لقبول هذه الشريعة الجامعة، فكانت الشرائع السابقة تمهيداً وتهيئة لقبول دين الإسلام، ولذلك صدرت هذه الآية بقوله‏:‏ ‏{‏كان الناس أمة واحدة‏}‏، فكما كان البشر في أول أمره أمة واحدة على هدى بسيط ثم عرضت له الضلالات عند تحرك الأفكار البشرية، رجع البشر إلى دين واحد في حالة ارتقاء الأفكار، وهذا اتحاد عجيب، لأنه جاء بعد تشتت الآراء والمذاهب، ولذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم‏}‏، وفي الحديث‏:‏ «مَثَل المسلمين واليهود والنصارى كمثللِ رجللٍ استأْجَر قوماً يعملون له عملاً يوماً إلى الليل على أجر معلوم فعملوا له إلى نصف النهار فقالوا لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطتَ لنا وما عَمِلنا باطل فقال لهم لا تفعلوا أَكمِلوا بقيةَ عملكم وخُذُوا أجركم كاملاً فأَبَوْا وتركوا، واستأجر آخرين بعدهم فقال لهم‏:‏ أَكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذي شرطتُ لهم من الأجر فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا‏:‏ لك ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلتَ لنا فيه، فقال لهم أَكملوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير فأَبَوْا، واستأجر قوماً أن يعملوا له بقية يومهم فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين كليهما، فذلك مثَلُهم ومثَلُ ما قبلوا من هذا النور، فقالت اليهود والنصارى ما لَنا أكثرُ عملاً وأقَلُّ عطاء، قال هل ظلمتكم من حقكم شيئاً‏؟‏ قالوا‏:‏ لا، قال‏:‏ فذلك فضلي أوتيه من أشاء»‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏214‏]‏

‏{‏أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ‏(‏214‏)‏‏}‏

إضراب انتقالي عن الكلام السابق فاحتاج إلى وجه مناسبة به، فقال الطيبي أخذاً من كلام «الكشاف»‏:‏ إن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كان الناس أمة واحدة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 213‏]‏ كلام ذُكرت فيه الأمم السالفة وذُكر من بعث إليهم من الأنبياء وما لَقُوا منهم من الشدائد، ومُدْمِجٌ لتشجيع الرسول والمؤمنين على الثبات والصبر على أذى المشركين كما قال‏:‏ ‏{‏وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 120‏]‏ فمن هذا الوجه كان الرسول وأصحابه مُرادين من ذلك الكلام، يدل عليه قوله‏:‏ ‏{‏فهدى الله الذين آمنوا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 213‏]‏ وهو المضرب عنه ببل التي تضمنّها أَمْ أي دَعْ ذلك، أحَسِبُوا أن يدخلوا الجنة اه‏.‏

وبيانه أن القصد من ذكر الأمم السالفة حيثما وقع في القرآن هو العبرة والموعظة والتحذير من الوقوع فيما وقعوا فيه بسوء عملهم والاقتداءُ في المحامد، فكان في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كان الناس أمة واحدة‏}‏ الآية إجمال لذلك وقد ختم بقوله ‏{‏فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه‏}‏، ولما كان هذا الختام منقبة للمسلمين أُوقِظوا أنْ لا يُزْهَوْا بهذا الثناء فيحسبوا أنهم قضَوْا حق شكر النعمة فعقب بأن عليهم أن يصبروا لما عسى أن يعترضهم في طريق إيمانهم من البأساء والضراء اقتداء بصالحي الأمم السالفة، فكما حذرهم الله من الوقوع فيما وقع فيه الضالون من أولئك الأمم حرضهم هنا على الاقتداء بهدي المهتدين منهم على عادة القرآن في تعقيب البشارة بالنذارة وعكس ذلك، فيكون قوله‏:‏ ‏{‏أم حسبتم‏}‏ إضراباً عن قوله‏:‏ ‏{‏فهدى الله الذين آمنوا‏}‏ وليكون ذلك تصبيراً لهم على ما نالهم يوم الحديبية من تطاول المشركين عليهم بمنعهم من العُمرة وما اشترطوا عليهم للعام القابل، ويكون أيضاً تمهيداً لقوله‏:‏ ‏{‏كتب عليكم القتال‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 216‏]‏ الآية، وقد روي عن أكثر المفسرين الأولين أن هذه الآية نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجَهد والشدائد فتكون تلك الحادثة زيادة في المناسبة‏.‏

و ‏{‏أم في الإضراب كبل إلا أن أَمْ تؤذن بالاستفهام وهو هنا تقرير بذلك وإنكاره إن كان حاصلاً أي بل أحسبتم أن تدخلوا دون بلْوَى وهو حسبان باطل لا ينبغي اعتقاده‏.‏

وحَسِب بكسر السين في الماضي‏:‏ فعل من أفعال القلوب أخواتتِ ظن، وفي مضارعه وجهان كسر السين وهو أجود وفتحها وهو أقيس وقد قرئ بهما في المشهور، ومصدره الحِسبان بكسر الحاء وأصله من الحساب بمعنى العد فاستعمل في الظن تشبيهاً لجولان النفس في استخراج علم ما يقع بجولان اليد في الأشياء لتعيين عددها ومثله في ذلك فعل عَدَّ بمعنى ظن‏.‏

والخطاب للمسلمين وهو إقبال عليهم بالخطاب بعد أن كان الكلام على غيرهم فليس فيه التفات، وجعل صاحب الكشاف‏}‏ التفاتا بناء على تقدم قوله

‏{‏فهدى الله الذي آمنوا لما اختلفوا فيه‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 213‏]‏ وأنه يقتضي أن يقال أم حسبوا أي الذين آمنوا، والأظهرُ أنه لما وقع الانتقال من غرض إلى غرض بالإضراب الانتقالي الحاصل بأم، صار الكلام افتتاحاً محضاً وبذلك يُتأكد اعتبار الانتقال من أسلوب إلى أسلوب، فالالتفات هنا غير منظور إليه على التحقيق‏.‏

ودخول الجنة هنا دخولها بدون سبق عناء وبلوى، وهو دخول الذين استوفوا كل ما وجب عليهم ولم يقصروا في شيء منه، وإلا فإن دخول الجنة محسوب لكل مؤمن ولو لم تأته البأساء والضراء أو أتتهُ ولم يصبر عليها، بمعنى أن الصبر على ذلك وعدم الضجر منه موجب لغفران الذنوب، أو المراد من ذلك أن تنالهم البأساء فيصبروا ولا يرتدوا عن الدين، لذلك فيكون دخول الجنة متوقفاً على الصبر على البأساء والضراء بهذا المعنى، وتطرقُ هاته الحالة سنة من سنن الله تعالى في أَتْباع الرسل في أول ظهور الدين وذلك من أسباب مزيد فضائل اتباع الرسل، فلذلك هُيِّءَ المسلمون لتلقيه من قبل وقوعه لطفاً بهم ليكون حصوله أهون عليهم‏.‏

وقد لقي المسلمون في صدر الإسلام من أذى المشركين البأساءَ والضراءَ وأخرجوا من ديارهم وتحملوا مضض الغربة، فلما وردوا المدينة لقُوا من أذى اليهود في أنفسهم وأذى المشركين في قرابتهم وأموالهم بمكة ما كدر عليهم صفو حفاوة الأنصار بهم، كما أن الأنصار لقُوا من ذلك شدة المضايقة في ديارهم بل وفي أموالهم فقد كان الأنصار يعرضون على المهاجرين أن يتنازلوا لهم عن حظ من أموالهم‏.‏

و ‏{‏لمَّا أخت لم في الدلالة على نفي الفعل ولكنها مركبة من لَم ومَا النافية فأفادت توكيد النفي، لأنها ركبت من حرفي نفي، ومن هذا كان النفي بها مشعراً بأن السامع كان يترقب حصول الفعل المنفي بها فيكون النفي بها نفياً لحصول قريب، وهو يشعر بأن حصول المنفي بها يكون بعد مدة، وهذا استعمال دل عليه الاستقراء واحتجوا له بقول النابغة‏:‏

أَزِفَ الترحُّلُ غيرَ أن ركابنا *** لَمَّا تَزُلْ برحالنا وكأنْ قدِ

فنفى بلما ثم قال‏:‏ وكأن قد، أي وكأنه قد زالت‏.‏

والواو للحال أي أحسبتم دخول الجنة في حالة انتفاء ما يُترقب حصوله لكم من مس البأساء والضراء فإنكم لا تدخلون الجنة ذلك الدخول السالم من المحنة إلا إذا تحملتم ما هو من ذلك القبيل‏.‏

والإتيان مجاز في الحصول، لأن الشيء الحاصل بعد العدم يجعل كأنه أتى من مكان بعيد‏.‏

والمثَل‏:‏ المشابه في الهيئة والحالة كما تقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مثلهم كمثل الذين استوقد ناراً‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 17‏]‏‏.‏

و ‏{‏الذين خلَوْا‏}‏ هم الأمم الذين مضوا وانقرضوا وأصل ‏{‏خَلَوْا‏}‏ خلاَ منهم المكان فبولغ في إسناد الفعل فأسند إليهم ما هو من صفات مكانهم‏.‏

و ‏{‏من قبلكم‏}‏ متعلق بخَلَوْا لمجرد البيان وقصد إظهار الملابسة بين الفريقين‏.‏

والمس حقيقته‏:‏ اتصال الجسم بجسم آخر وهو مجاز في إصابة الشيء وحلوله، فمنه مس الشيطان أي حلول ضُر الجنة بالعقل، ومسُّ سَقر‏:‏ ما يصيب من نارها، ومسَّه الفقر والضر‏:‏ إذا حل به، وأكثر ما يطلق في إصابة الشر قال تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا مس الإنسان ضر دعا‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 8‏]‏ ‏{‏وإذا مس الإنسان الضر دعانا‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 12‏]‏ ‏{‏وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 51‏]‏ ‏{‏ولا تمسوها بسوء‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 73‏]‏ فالمعنى هنا‏:‏ حلت بهم البأساء والضراء‏.‏ وقد تقدم القول في البأساء والضراء عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والصابرين في البأساء والضراء‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 177‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وزلزلوا‏}‏ أي أزعجوا أو اضطربوا، وإنما الذي اضطرب نظام معيشتهم، قال تعالى‏:‏ ‏{‏هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 11‏]‏، والزلزلة تحرك الجسم من مكانه بشدة، ومنه زلزال الأرض، فوزن زلزل فُعفِل، والتضعيف فيه دال على تكرر الفعل كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فكبكبوا فيها‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 94‏]‏ وقالوا لَمْلَم بالمكان إذا نَزل به نزولَ إقامة‏.‏

و ‏{‏حتى‏}‏ غاية للمس والزلزاللِ، أي بلغ بهم الأمر إلى غاية يقول عندها الرسول والذين معه متى نصر الله‏.‏

ولما كانت الآية مخبرة عن مسَ حل بمن تقدم من الأمم ومنذرة بحلول مثله بالمخاطَبين وقت نزول الآية، جاز في فعل يَقُول أن يعتبر قولَ رسول أمة سابقة أي زلزلوا حتى يقول رسول المزلْزَلين ف ‏{‏آل للعهد، أو حتى يقول كلُّ رسول لأمة سبقت فتكون أل للاستغراق، فيكون الفعل محكياً به تلك الحالة العجيبة فيرفَع بعد حتى؛ لأن الفعل المراد به الحال يكون مرفوعاً، وبرفععِ الفعل قرأ نافع وأبو جعفر، وجاز فيه أن يعتبر قول رسول المخاطَبين عليه السلام فأَلْ فيه للعهد والمعنى‏:‏ وزلزلوا وتزلزلون مثلهم حتى يقول الرسول فيكون الفعل منصوباً؛ لأن القول لمَّا يقَعْ وقتئذ، وبذلك قرأ بقية العشرة، فقراءة الرفع أنسب بظاهر السياق وقراءة النصب أنسب بالغرض المسوق له الكلام، وبكلتا القراءتين يحصل كلا الغرضين‏.‏

ومتى استفهام مستعمل في استبطاء زمان النصر‏.‏

وقوله‏:‏ ألا إن نصر الله قريب‏}‏ كلام مستأنف بقرينة افتتاحه بأَلاَ، وهو بشارة من الله تعالى للمسلمين بقرب النصر بعد أن حصل لهم من قوارع صدر الآية ما ملأ القلوب رُعباً، والقصد منه إكرام هذه الأمة بأنها لا يبلغ ما يمسها مبلغ ما مس من قبلها، وإكرامٌ للرسول صلى الله عليه وسلم بألا يحتاج إلى قول ما قالته الرسل قبله من استبطاء نصر الله بأن يجيء نصر الله لهاته الأمة قبل استبطائه، وهذا يشير إلى فتح مكة‏.‏